• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور-قوة، وضعفا-لا يحصيه إلا الله تعالى.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٦.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٨/ ٢٣٣.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٧.
[ ٣٣٨ ]
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس.
ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.
وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم، وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علما وعملا، ومعرفة وحالا.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة، ولا ذنبا، إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته، وولى الباب ظهره" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من قواعد الشرع والحكمة أيضًا: أنَّ من كَثُرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ؛ فإنه يُحتمل له ما لايُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لايُعفى عن غيره" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه يُوازنُ يوم
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٠٤.
[ ٣٣٩ ]
القيامة بين حسنات العبد وسيئاته، فأيهما غَلبَ كان التأثير له، فيفعل مع أهل الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابّه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم أحيانًا من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم" (^١).
• ذكر الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀: "قال عون بن عُمارة (ت: ٢١٢ هـ) ﵀: سمعت هشامًا الدستوائي (ت: ١٥٤ هـ) ﵀-يقول: "والله ما أستطيع أن أقول: أني ذهبت يومًا قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ﷿".
قلت-أي الذهبي-: "والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم.
وطلبه قوم منهم أولًا لا لله، وحصلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم فجرهم العلم إلى الأخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-وغيره: "طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ"، وبعضهم يقول: "طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله". فهذا أيضًا حسن. ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية فاسدة، لأجل الدنيا وليثنى عليهم، فلهم ما نووا. قال ﵇ «من غزا ينوي عقالًا فله ما نوى» (^٢). وترى هذا الضرب لم
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٠٧.
(٢) النسائي في الصغرى (حديث رقم ٣١٢٠. وحديث رقم ٣١٢١)؛ والنسائي في الكبرى (حديث رقم ٣٢٥٩)؛ وأحمد في المسند (حديث رقم ٢٢١٧٢، وحديث رقم ٢٢٢٨٠)؛ وابن حبان في صحيحه (حديث رقم ٤٧٢٢)؛ الحاكم في المستدرك (حديث رقم ٢٤٧٦)؛ والدارمي في سننه (حديث رقم ٢٣٩١)؛ وابن المنذر في الأوسط (حديث رقم ٣٢٠٣)؛ والبيهقي في السنن الكبير (حديث رقم ١٢٠٩٥). وقال الألباني في تخريج مشكاة المصابيح برقم: ٣٧٧٣ "حسن لغيره".
[ ٣٤٠ ]
يستضيؤوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم فما هؤلاء بعلماء!! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار. وبعضهم أجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بَان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مُثَمَّنة، يَخْزُنُها، وينظر فيها يومًا ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره. فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالمًا" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "لا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه" (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٩/ ٣٩٩.
[ ٣٤١ ]