• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له
_________________
(١) الفنون لابن عَقِيلٍ ١/ ٤٠.
(٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٤).
(٣) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٣٧.
[ ٣١٣ ]
لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥].
فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم.
لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: الآية: ٢٩].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كان المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾. وكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فكلما قال العبد "الله أكبر" تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر من كل شيء؛ فلا يبقى لمخلوق على القلب ربانية تساوي ربانية الرب فضلا عن أن تكون مثلها.
وهذا داخل في التوحيد لا إله إلا الله، فلا يكون في قلبه لمخلوق
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
[ ٣١٤ ]
شيء من التأله؛ لا قليل ولا كثير، بل التأله كله لله ولكن للمخلوق عنده نوع من القدر والمنزلة والمحبة، وليست كقدر الخالق، والمحبة المأمور بها هي الحب لله كحب الأنبياء والصالحين، فهو يحبهم؛ لأن الله أمر بحبهم، فهذا هو الحب لله، فأما من أحبهم مع الله فهذا مشرك.
كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي قوله: ﴿وما يتذكَّرُ إلّا من يُنيب﴾ [غافر: الآية: ١٣]: إنّما يتَّعظُ من يرجعُ إلى الطّاعة؛ وهذا لأنَّ التَّذكُّر التّامَّ يستلزم التَّأثُّر بما تذكَّره، فإن تذكَّر محبوبًا طلبه، وإن تذكَّر مرهوبًا هرب منه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾ فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف
_________________
(١) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٣٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٥.
(٣) روضة المحبين (ص ٥٩).
[ ٣١٥ ]
بالإيمان الذي يمنع من دخولها" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تأله القلوب بالمحبة والإجلال، والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد، والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته.
وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقوق، وما أسبغ عليهم من النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كان الإحسان منه؟ وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ [سورة النحل: الآية: ٥٣] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه
_________________
(١) روضة المحبين (ص ١٦٨).
(٢) الجواب الكافي ص ٢٢٨.
[ ٣١٦ ]
قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب، وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٧٥ - ٧٧].
فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: الآية: ٤].
وقال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين - وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٨].
أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة" (^١).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإذا ثقُل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مُثقلٌ بالحمل على ظهره! وكيف ينهض إلى الله قلبٌ قد أثقلته الأوزار! فلو وُضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقًا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرًا" (^٢).
_________________
(١) الجواب الكافي ص ١٩٥.
(٢) الكلام في مسألة السماع ص ٢٧٨.
[ ٣١٧ ]