إن هذا التوسل ينقسم من حيث الحكم عليه إلى قسمين:
القسم الأول: توسل بدعي:
وذلك كالتوسل بذات النبي ﷺ، وبجاهه، أو الإقسام على الله به:
_________________
(١) لأن مداره على مالك الدار وهو مجهول الحال غير معروف العدالة والضبط وهما شرطان أساسيان لصحة السند. انظر التوسل، ص١٣٠ - ١٣٤.
[ ٢٧١ ]
وذلك كأن يقول القائل مثلا: اللهم أتوسل إليك بنبيك، أو اللهم بجاه نبيك اغفر لي.
وأما القسم فمثل قول القائل: اللهم بنبيك أو بحق نبيك اشفني أو اقض حوائجي.
ووجه كونه بدعة: أن الرسول ﷺ لم يأمر به، ولم يدع الناس إليه، ولم يعده من القربات، كما جعله المتأخرون من الصوفية ومن تابعهم من أعظم القربات. كما أن الصحابة لم يتوسلوا إلى الله بهذا النوع من التوسل ولا التابعين ولا تابعيهم. . . بل الثابت عنهم هو عدولهم عنه إلى التوسل المشروع، فلما لم يرد له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، ولا عمل الصحابة والتابعون به. دل على عدم مشروعيته وابتداعه.
هذا من حيث الإجمال. أما من حيث التفصيل، فإن السؤال بالنبي ﷺ والتوسل بذاته وجاهه غير جائز. لأنه وإن كان مبنيا على أن للأنبياء جاها ومكانة عند الله- وهذا صحيح- إلا أن الله لم يجعل ذلك الجاه سببا مناسبًا لإجابة دعاء من توسل به. وإنما جعل الله الإيمان بهم وحبهم واتباعهم سببا لإجابة الدعاء، بخلاف السؤال والتوسل بذواتهم وجاههم.
وأما القسم على الله بالرسول ﷺ أو بحقه فهذا مما لا يجوز شرعا. لأنه قسم بالمخلوق على الخالق ﷾.
والقسم على المخلوق بمخلوق مثله لا يجوز. فكيف يجوز ذلك في حق الخالق سبحانه (١) .
وإذا تبين هذا فلا يجوز التوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه أو الإقسام على الله به لما يفضي القول بجوازه إلى الغلو الذي نهي الله ورسوله عنه، وسدًّا لذريعة الشرك المترتب عليه. ذلك أن عامة من جوزوه لم يقفوا عند التوسل به ﷺ
_________________
(١) انظر القاعدة الجليلة، ص ١٠٩- ١١٠.
[ ٢٧٢ ]
بل تعدوا ذلك إلى الاستغاثة به وطلبوا منه ما لا يجوز طلبه إلا من الله إلى غير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى الشرك. ويسمون كل هذا توسلا!! ومما ينبغي التنبيه إليه أننا حين نوضح بطلان هذا النوع من التوسل لا يعني أننا ننفي الجاه والمكانة السامية لرسول الله ﷺ. كلا. إن جاهه ﵊ أعظم من جاه الأنبياء والمرسلين، وحديث الشفاعة يبين هذا ويوضحه (١) .
القسم الثاني: التوسل الشركي: وذلك كطلب الحاجات منه ﷺ ودعائه لكشف الضر أو رفع الشدة وبث الشكوى إليه، إلى غير ذلك من ألوان الشرك الذي حرمه الله ورسوله. وكون هذا النوع شركا أمر واضح، فإنه لو طلب من الرسول ﷺ في حياته ما لا يقدر عليه إلا الله لكان هذا شركا، فكيف وهم يطلبون منه ذلك بعد موته، وينشدون في ذلك الأشعار ويسوقون الحكايات والأخبار، وينعتون كل موحد بالجفاء للنبي ﷺ وآله الأخيار.
وتسمية هذا النوع بالتوسل هو من باب الإيهام والخداع فإنه لا يسمى إلا شركا أكبر.
يقول البرعي (٢) مخاطبا الرسول ﷺ:
يا صاحب القبر المنير بيثرب يا منتهى أملي وغاية مطلبي
يا من به النائبات توسلي وإليه من كل الحوادث مهربي
يا من نرجّيه لكشف عظيمة ولحل عقد ملتو متعصب
_________________
(١) انظر حديث الشفاعة في: صحيح البخاري. كتاب التوحيد. باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، ٩ / ١٦٠- ١٦١. ومسلم. كتاب الأيمان. باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١ / ١٨٠ - ١٨١.
(٢) هو عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم البرعي (. . . - ٨٣٠ هـ)، شاعر متصوف. انظر ترجمته في الأعلام ٣ / ٣٤٣.
[ ٢٧٣ ]
يا من يجود على الوجود بأنعم خضر تعم عموم صوب الصيّب
يا غوث من في الخافقين وغيثهم وربيعهم في كل عام مجدب
يا من نناديه فيسمعنا على بعد المسافة سمع أقرب أقرب (١)
ويقول أيضًا:
مولاي مولاي فرج كل معضلة عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات
وعد عليّ بما عودتني كرما فكم جرت لي بخير منك عادات
وامنع حماي وهب لي منك مكرمة يا من مواهبه خير وخيرات
واعطف عليّ وخذ يا سيدي بيدي إذا دهتني الملمات المهمات
فقد وقفت بباب الجود معتذرا والعفو متسع والعذر أبيات
وقل غدا أنت من أهل اليمين إذا ما زخرفت لدخول الخلد جنات
وإن مدحتك بالتقصير معترفا فمدحك الوحي والسبع القراءات (٢)