أنواع الغلو تتعدد أشكال الغلو وصوره، فمنه ما يكون في الاعتقاد ومنه ما يكون في العمل:
(أ) الغلو في الاعتقاد: ويتمثل في مجاوزة حدود الاعتقاد الصحيح إلى غيره من ضروب الانحراف، والمتأمل في آراء الفرق الكلامية التي فارقت أهل السنة والجماعة بنوع اعتقاد يجدها قد غلت في ناحية من نواحي الاعتقاد حتى خرجت عن الصراط المستقيم. ففي صفات الله تعالى نجد النفاة والمؤولة غلوا في تنزيه الله حتى عطلوه عن صفات الكمال ووصفوه بصفات المعدوم، وفي المقابل نرى المجسمة والمشبهة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التجسيم والتشبيه، والحق وسط بين الفريقين تنزيه بلا تعطيل، وإثبات بلا تجسيم ولا تمثيل.
وعلى هذا النهج سارت طوائف المتكلمين، فطائفة تثبت شيئا وتغالي فيه وأخرى تثبت نقيضه وتغلو فيه.
[ ١٤٤ ]
ومن الغلو في الاعتقاد غلو النصارى في عيسى ﵇ حتى أخرجوه من حيز البشرية إلى مرتبة الألوهية.
- ومنه غلو الشيعة في علي ﵁، فطائفة ادعت أنه إله، وطوائف على أنه معصوم (١) .
- ومنه غلو بعض المتصوفة في الرسول ﷺ حيث ادعوا أنه مخلوق من نور وأن الكون خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكوان. إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
ومنه الغلو في الصالحين ومشايخ الصوفية، بادعاء العصمة لهم، واتباعهم في كل ما يقولونه بلا دليل، والاستغاثة بهم وندائهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، إلى غير ذلك من العقائد الشركية.
(ب) الغلو في العمل: ويقصد به ما كان واقعا في دائرة الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. فمن جعل المندوب بمنزلة الواجب، أو المكروه بمنزلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا في الدين وجانب الصراط المستقيم، فمن أوجب على نفسه قيام الليل كله- مثلا- فقد غلا لأنه جعل المندوب بمنزلة الواجب، ولأنه جاوز حدود السنة في هذا الجانب. ومثل هذا من حرم ما أحل الله من النكاح وأكل الطيبات زهدا وتعبدا. ويدخل في هذا الباب كل من زاد على المشروع قدرا أو وصفا، وذلك كالزيادة على الثلاث في الوضوء مثلا.
_________________
(١) انظر: اعتقادات فرق الشيعة في: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. تحقيق. هلموت ريتر، ط ٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص ٥- ٨٥. والفرق بين الفرق. عبد القاهر بن طاهر البغدادي. تحقيق. محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص ٢٩- ٧٢.
[ ١٤٥ ]
يقول ابن تيمية:
(والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات) (١) وقال ابن القيم:
(والغلو نوعان:
- نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرا، أو نحو ذلك عمدا.
- وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النبي ﷺ: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٢) وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا!) (٣) وهم المتعمقون المتشددون) (٤)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، ١ / ٢٨٣١.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ١ / ١٦.
(٣) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ٤ / ٢٠٥٥.
(٤) مدارج السالكين، ٢ / ٤٩٦- ٤٩٧.
[ ١٤٦ ]