آثار البدع على الدين: كما أن للبدعة آثارًا سيئة على المبتدع، فإن لها آثارا سيئة على الدين نفسه. وكيف لا؟ والمبتدع إنما أضافها إلى الدين ونسبها إليه فزاد في دينه أو نقص منه بسبب بدعته، وهذه الآثار كثيرة منها:
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، ٣ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، (٣٦٨ - ٤٦٤هـ) . إمام الأندلس وعالمها - من كبار حفاظ الحديث. فقيه. أديب. من تصانيفه: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، الكافي في الفقه المالكي، شرح مذاهب علماء الأمصار، جامع بيان العلم وفضله وغيرها. انظر: نفح الطيب، ٤ / ٢٩ - ٣١، والأعلام، ٨ / ٢٤٠.
(٣) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، المكتبة التجارة الكبري - مصر، ١٩٥٩م، ١ / ٦٥.
[ ٣٠٥ ]
١ - إماتة السنن: إن من أعظم آثار البدعة على الدين هو إماتة السنة وذلك لأن البدع رافعة لما يقابلها من السنن، وما قامت بدعة إلا على نقض سنة وتركها فتحيا- بسبب ذلك- البدعة وتموت السنة. ويصير المعروف منكرا والمنكر معروفا. حتى إذا عمت البدع وانتشرت صارت السنة وأهلها غرباء لا تجد منهم إلا الأفراد.
ولأجل هذا اشتد تحذير الصحابة والتابعين لهم بإحسان من البدع لعظم خطرها وكثرة شرورها. فعن ابن عباس ﵄ قال: (ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن) (١) .
وعن حسان بن عطية المحاربي (٢) .
قال: (ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة) (٣) .
وقد حاصر السلف أهل الأهواء والبدع، وقعدوا لهم كل مرصد وكشفوا أسرارهم، وهتكوا أستارهم، ونهوا الناس عن مجالستهم أو توقيرهم، واستعانوا عليهم بإظهار السنة والصبر عليها مهما كان إيذاء أهل البدع لهم. فرحم الله بهم الأمة وكشف بهم الغمة وأعلى بهم منار الدين، فكانوا هم الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة. ثم دار الزمان دورته فصار أهل السنة غرباء بين أهل البدع، كما قال رسول الله ﷺ «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٠ / ٣١٩. قال الهيثمي: رجاله موثوقون. مجمع الزوائد، ١ / ١٨٨.
(٢) هو أبو بكر حسان بن عطية المحاربي مولاهم الدمشقي. من التابعين حدث عن أبي أمامة الباهلي وسعيد بن المسيب وغيرهما، وعنه الأوزاعي وحفص بن غيلان وغيرهما. انظر: سير أعلام النبلاء، ٥ / ٤٦٦، وتهذيب التهذيب، ٢ / ٢٥١.
(٣) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب اتباع السنة، ١ / ٤٥، وسنده صحيح. انظر: مشكاة المصابيح، ١ / ٦٦.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة من بعض القلوب، ١ / ١٣٠.
[ ٣٠٦ ]
على أن الأمر لم يقف عند إحياء البدعة وإماتة السنة بل تعدى ذلك إلى بغض السنة وأهلها والوقيعة فيهم.
يقول ابن تيمية:
(ومن المعلوم أنك لا تجد أحدًا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، لو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله) (١) .
ولا تقف خطورة البدع عن حد. إذ ينتهي الأمر بالمبتدعة إلى تغيير معالم الدين بوضع الرسوم، وحد الحدود، وتقعيد الأصول على الرأي والهوى. حتى تغدو وكأنها دين آخر مخترع. ويتأكد هذا في طوائف المبتدعة إذ لكل طائفة نهجها في الأخذ والتلقي، والقبول والرد، والولاء والبراء، ولها موازينها واصطلاحاتها، وكأنما هي شريعة مستقلة.