٢ - التوسل غير المشروع: ويقصد به التوسل بذات النبي ﷺ، وسؤال الله بجاه نبيه، والإقسام على الله به. وهذا النوع غير مشروع لفقدان الدليل على مشروعيته، فلم ترد به سنة صحيحة ولم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ﷺ ولا بعد موته، لا عند قبره ولا في أي مكان آخر. ولم ينقل ذلك عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه عند أهل العلم. بل الثابت عنهم أنهم عدلوا عنه إلى غيره، كما فعل عمر مع العباس ﵄.
وهذا التوسل غير المشروع هو مقصود غالب المتأخرين بالتوسل بالنبي ﷺ، ويعتقدون أنه من أفضل القربات، وأنه دليل على حب النبي ﷺ والصالحين. وهو أول ما يعولون على إثباته والمنافحة عنه، والرد على ما نعيه، والتشنيع عليهم، حتى يسلم لهم ما أرادوا من تعميم التوسل بالأنبياء والصالحين. وهذا النوع هو ما سأتناوله بشيء من العرض والتفصيل.
[ ٢٥٥ ]
يقول السبكي (١) .
(إن التوسل بالنبي ﷺ جائز في كل حال. قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة) (٢) ويقسمه إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن يتوسل به بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته. فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة وقد ورد في كل منها خبر صحيح. وساق تحت هذا النوع حديث توسل آدم بالنبي ﷺ (٣) وغيره من الأحاديث.
- النوع الثاني: التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه. وقال: إن ذلك كما كان في حياته يجوز بعد موته.
ثم ساق حديثا بسنده عن مالك الدار قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس. فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁ ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه) .
_________________
(١) هو تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (٦٨٣- ٧٥٦ هـ)، فقيه. أصولي. محدث. مفسر. لغوي. من تصانيفه: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم. تكملة المجموع للنووي في خمسة مجلدات، شفاء السقام في زيارة خير الأنام، عارض به شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة شد الرحال إلى زيارة القبر النبوي الشريف. وغيرها. انظر. طبقات الشافعية الكبرى، ١٠ / ١٣٩ - ٣٣٨. والدرر الكامنة ٣ / ١٣٤، وما بعدها.
(٢) شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي. طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية. حيدر آباد الدكن، ١٣١٥ هـ، ص ١٦٠.
(٣) انظر: ص ٢٧٣، من هذا البحث.
[ ٢٥٦ ]
قال. ومحل الاستشهاد من هذا الأثر طلبه الاستسقاء من النبي ﷺ بعد موته في مدة البرزخ. ولا مانع من ذلك فإن دعاء النبي ﷺ لربه تعالى في هذه الحالة غير ممتنع.
- النوع الثالث: أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود. بمعنى أنه ﷺ قادر على التسبب فيه بسؤاله ربه وشفاعته إليه. فيعود إلى المعنى الثاني وإن كانت العبارة مختلفة (١) .
وبعبارة أصرح من ذلك أن يطلب منه الحاجات رأسا فيقول السائل يا رسول الله فرج كربتي أو أغثني. . . إلخ.
ولم يجد السبكي ما يستدل به على هذا النوع الثالث سوى أنه عائد إلى النوع الثاني. لكن غيره وجدوا ما يستدلون به على مثل هذا النوع، وهي الحكايات والمنامات وعليها غالب اعتمادهم.
شبهات المجيزين لهذا النوع من التوسل: يورد الصوفية شبهات كثيرة على جواز التوسل بالنبي ﷺ توسلا بدعيا وشركيا ليوهموا أتباعهم أنهم بذلك على الحق وأنهم أحب إلى رسول الله ﷺ وأقرب من غيرهم. وشبههم متنوعة لكني سأقتصر على أقواها في نظرهم.
أولا- من القرآن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) . وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٣) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق، ص ١٦١، وما بعدها.
(٢) سورة المائدة، آية (٣٥) .
(٣) سورة الإسراء، آية (٥٧) .
[ ٢٥٧ ]
قال صاحب كتاب حقيقة التوسل والوسيلة:
(ولفظ الوسيلة عام في الآيتين فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات، وبإتيان الأعمال الصالحة على الوجه المأمور به، وللتوسل بها بعد وقوعها) (١) .
واستدلالهم بهاتين الآيتين باطل لأنه مخالف لتفسير الصحابة والتابعين وما عليه أئمة التفسير من أن المراد بالوسيلة في الآيتين التقرب إلى الله بصالح الأعمال ولم يؤثر عن واحد من هؤلاء أنه فسرها بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين كما فسره هؤلاء.
ثم إن الاستدلال بالآية الثانية بالذات على مدعاهم من أبطل الباطل وأكذب الكذب لأنها تدل على نقيض ما ادعوه وترد عليهم دعواهم، ويبين هذا سبب نزولها كما قال ابن مسعود ﵁ فيما رواه البخاري عنه: (كان ناس من الأنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم) (٢) .
ومعنى ذلك أن الله يرد على هؤلاء الذين عبدوا الجن ودعوهم من دون الله بأن الذين تدعونهم قد أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله بصالح الأعمال، وفي هذا تحريض لهؤلاء المشركين على الإيمان بالله وحده وسلوك مسلك الجن الذين آمنوا، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] (٣) .
_________________
(١) حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة، موسى محمد علي، طبع دار التراث، القاهرة، ١٩٨١م، ص٢٩.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، ٦ / ١٠٧.
(٣) سورة الإسراء، آية (٥٦ - ٥٧) .
[ ٢٥٨ ]
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) .
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) (اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
. . . . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٣) وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٤) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسول الله ﷺ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل) (٥) .
_________________
(١) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي ثم المدني. (١٣٠٥- ١٣٩٣هـ) درس القرآن وعلومه، والعربية وفنونها، والفقه ومسائله في بلاده مورتانيا، ثم قدم إلى الحج فكتب الله له المقام بالمدينة فسكنها فدرس في المسجد النبوي وأفاد. من تصانيفه: أضواء البيان في تفسير القرآن. ومذكرة في أصول الفقه، آداب البحث والمناظرة وغيرها. انظر: ترجمته في نهاية تفسير أضواء البيان لتلميذه الشيخ عطية سالم، الجزء التاسع. وانظر: الأعلام، ٦ / ٤٥.
(٢) سورة المائدة، آية (٣٥) .
(٣) سورة الزمر، آية (٣) .
(٤) سورة يونس، آية (١٨) .
(٥) أصول البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٢ / ٩٧-٩٨.
[ ٢٥٩ ]
ومما استدلوا به من الأحاديث ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون) (١) .
ويستدلون بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات المخلوقين وجاههم فقالوا إن توسل عمر إنما كان بجاه العباس ومكانته عند الله ﷾، وإن توسله إنما كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه وطلب من الله أن يسقيه من أجله وقد أقره الصحابة على ذلك فدل هذا بزعمهم على جواز التوسل بذات المخلوق وجاهه. ولكن ما سبب عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ طالما أن ذلك جائز في نظرهم. أجابوا عن ذلك بأن عدوله كان لبيان جواز التوسل بغير النبي ﷺ وأن ذلك مما لا حرج فيه.
يقول الشيخ أحمد زيني دحلان (٢) .
(وإنما استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ ولم يستسق بالنبي ﷺ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ وأن ذلك لا حرج فيه، وأما الاستسقاء بالنبي ﷺ فكان معلوما عندهم فلربما أن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي ﷺ فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز) (٣) .
واستدلالهم بهذا الحديث على ما يدّعونه استدلال باطل لأمور:
أولا: أن الحديث قد ذكر أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الاستسقاء. باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ٢ / ٣٤.
(٢) هو أحمد بن زيني دحلان المكي (١٢٣٢ - ١٣٠٤هـ) . فقيه. مؤرخ. من تصانيفه. الفتوحات الإسلامية، والسيرة النبوية، والدرر السنية في الرد على الوهابية، رد فيه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب متعصبا للصوفية، وقد رد عليه الشيخ محمد بشير السهسواني في كتاب سماه " صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان ". انظر: الأعلام، ١٢ / ١٢٩ - ١٣٠.
(٣) الدرر السنية في الدر على الوهابية، أحمد زيني دحلان، ص ٨ - ٩.
[ ٢٦٠ ]
في حال حياته للسقيا فيستسقي لهم، وقد بينت الأحاديث الواردة في الاستسقاء ذلك، وليس هناك حديث صحيح يؤيد ما ذهبوا إليه من أن الصحابة كانوا يتوسلون بذات النبي ﷺ أو جاهه.
بل الأحاديث الواردة تؤكد أن التوسل إنما كان بدعاء النبي ﷺ. أخرج الشيخان بسنديهما عن أنس ﵁: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، فقال يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغثنا، قال، فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة، ولا شيئا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» (١) .
وأخرج البخاري بسنده عن عباد بن تميم عن عمه: «أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائما ثم توجه قِبَل القبلة وحوّل رداءه فسقوا» (٢) .
فهذان الحديثان وأمثالهما كثير في كتب السنة، وكلها تؤكد أن الصحابة كانوا إذا انقطع عنهم المطر ذهبوا إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يدعو الله لهم
_________________
(١) صحيح البخاري. كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع ٢ / ٣٤ - ٣٥، وصحيح مسلم كتاب صلاة الاستسقاء. باب الدعاء في الاستسقاء، ٢ / ٦١٢، وما بعدها.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الاستقساء، باب الدعاء في الاستسقاء قائما، ٢ / ٣٨.
[ ٢٦١ ]
ليسقيهم، أو أن الرسول ﷺ كان يخرج بهم فيصلي صلاة الاستسقاء ويدعو الله لهم كما هي السنة في هذا الأمر.
وهذا هو الذي قصده عمر بقوله " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ".
ثانيا: لما توفي رسول الله ﷺ توسل عمر بدعاء العباس ﵄، وذلك لعلمه بأن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته غير ممكن ولا جائز. وتكرر هذا منه بحضور الصحابة ﵃. فلو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته جائزا لما عدل عنه عمر ﵁، ولما أقره الصحابة على ذلك، فلما تكرر ذلك منه دل على عدم جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته.
ثالثا: إن تكرر هذا الفعل من عمر ﵁ يدحض شبهة الذين قالوا بأنه قد فعل ذلك لبيان جواز التوسل بغير النبي وأن التوسل بالنبي بعد وفاته أمرا معلوما لدى الصحابة. وهذا ليس بصحيح، إذ لو كان كذلك لما تكرر ذلك الفعل من عمر ﵁ ولبين أن مقصده من ذلك هو بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كما يزعمون. ثم إن فيه كذبا على عمر وجمهور الصحابة ﵃. لأن المجيزين ادعوا أن التوسل بذات النبي ﷺ كان أمرا معلوما لدى الصحابة. مع أنه لم ينقل عنهم بوجه صحيح ما يؤيد دعواهم. بل المنقول عنهم خلاف ذلك.
رابعا: أن عمر قد صرح بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته، وأنه بعد وفاته توسل بعمه العباس. ومما لا شك فيه أن التوسلين من نوع واحد، وهو التوسل بدعاء الصالحين ورسول الله ﷺ إمامهم (١) .
خامسًا: أن بعض روايات الحديث الصحيحة قد فسرت كلام عمر المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس ﵁ استجابة لطلب عمر رضي
_________________
(١) انظر التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني، ص٦٠-٦٩.
[ ٢٦٢ ]
الله عنه. فمن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح حيث قال: (وقد بين الزبير بن بكار (١) في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال " اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " قال فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس) (٢) فهذا الحديث قد بين أن التوسل إنما كان بدعاء العباس ﵁ لا بذاته أو شيبته كما يزعمون، وإلا فما الداعي إلى أن يقوم العباس فيدعو دعاء جديدا؟ وما فائدة مجيء العباس إلى مكان الاستسقاء للدعاء؟ ! ولم يكن عمر ﵁ وحده هو الذي عدل عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى التوسل بغيره من الأحياء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان والضحاك بن قيس ﵄ إذ توسلا بدعاء يزيد بن الأسود (٣) الجرشي (٤) وعلى هذا جرى عمل الصحابة والتابعين (٥) .
فتبين من هذا أن حديث عمر بن الخطاب في توسله بالعباس ﵄ ليس فيه دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته بل هو دليل على عدم جوازه.
ومن الأحاديث التي استدلوا بها ما أخرجه أحمد وغيره بسنده عن عثمان بن
_________________
(١) هو أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب من ولد الزبير بن العوام ﵁ (١٧٢- ٢٥٦ هـ) . كان ثقة ثبتا عالما بالأنساب. شاعرا ولي قضاء مكة. من تصانيفه: جمهرة نسب قريش وأخبارها، أخبار العرب وأيامها، مزاح النبي ﷺ، انظر: تاريخ بغداد، ٨ / ٤٦٧، وسير أعلام النبلاء، ١٢ / ٣١١.
(٢) فتح الباري، ٣ / ١٥٠.
(٣) أخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات، دار صادر، بيروت، ٧ / ٤٤٤.
(٤) هو يزيد بن الأسود الجرشي من سادات التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره. انظر سير أعلام النبلاء، ٤ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٥) انظر: التوسل، ص ٧٠.
[ ٢٦٣ ]
حينف: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: " إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذلك فهو خير " فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ» (١) .
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وأن الأعمى فعل ذلك فعاد بصيرا، وأن توسله إنما كان بذات النبي ﷺ لا بدعائه، وإذا كان كذلك فمن الجائز لكل أحد أن يدعو بهذا الدعاء الوارد في هذا الحديث.
قال ابن حجر الهيتمي (٢) .
(وإنما علمه النبي ﷺ ذلك ولم يدع له، لأنه أراد أن يحصل منه التوجه وبذل الافتقار والانكسار والاضطرار مستغيثا به ﷺ ليحصل له كمال مقصوده.
وهذا المعنى حاصل في حياته وبعد وفاته ومن ثم استعمل السلف هذا الدعاء في حاجاتهم بعد موته) (٣) .
واستدل بقصة الرجل مع عثمان بن حنيف ﵁ وسيأتي ذكرها. وعلى ذلك فهم يرون أن الحديث حجة لهم في جواز التوسل بذات النبي ﷺ. وأن هذا الحديث ليس خاصا بالأعمى، بل هو جائز لكل أحد أن يدعو به. لكن هذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه. بل هو دليل على نوع من
_________________
(١) المسند، ٤ / ١٣٨، وسنن ابن ماجه، ١ / ٤٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١ / ٥١٩.
(٢) شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي (٩٠٩-٩٧٤هـ) . فقيه. باحث. من تصانيفه: مبلغ الأرب في فضائل العرب. الصواعق المحرقة على أهل البدعة والضلال والزندقة وغيرها. انظر الأعلام ١ / ٢٣٤.
(٣) الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، ص ٧٦- ٧٧.
[ ٢٦٤ ]
أنواع التوسل المشروع، لأن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي ﷺ، وهذا أمر مشروع كما سبقت الإشارة إليه، ويوضح هذا من الحديث عدة أمور (١) .
أولا: أن الأعمى إنما جاء إلى رسول الله ﷺ ليدعو له، وهذا معنى قوله: " ادع الله أن يعافيني " فهو قد توسل بدعائه ﷺ لما يعلمه من استجابة دعائه دون غيره، ولذلك طلب من الدعاء ولو كان مقصوده التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه كما يزعمون، لما كانت هناك حاجة في أن يأتي إلى النبي ويسأله الدعاء له، بل كان يكفيه أن يجلس في بيته ويدعو ربه متوسلا بذات النبي أو جاهه ولكنه لم يفعل ذلك لأنه كان يفهم جيدا معنى التوسل، وأنه لا بد أن يذهب إلى المتوسل به ليطلب منه ما يريد.
ثانيا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء بعد أن خيره بين الدعاء وبين الصبر إذا شاء.
ثالثا: إصرار الأعمى على الدعاء وهذا يقتضي أن الرسول قد دعا له لأنه وعده بالدعاء إذا أراد، وقد أراد ذلك وأكده بقوله: " ادعه " ومع ذلك لم يكتف رسول الله ﷺ بالدعاء له بل وجهه إلى عمل صالح حتى يجمع له أطراف الخير، وهو أمره له بالصلاة وتعليمه الدعاء الذي يدعو به في صلاته.
رابعا: أن قول الأعمى في آخر هذا الدعاء: «اللهم فشفعه في» يستحيل حمله على التوسل بذات النبي ﷺ، أو بجاهه كما يزعمون، لأن معناه: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيّ، أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري. وهذا معنى الشفاعة. ولا تتم الشفاعة إلا إذا كان اثنان يطلبان أمرا يكون أحدهما شفيعا للآخر والشفاعة من رسول الله ﷺ لا تكون إلا بدعاء الرسول للمشفوع له.
خامسا: أن مما علمه النبي ﷺ للأعمى أن يقوله في دعائه: «وشفعني فيه» أي اقبل دعائي في قبول شفاعته ودعائه لي. وهذه الجملة وحدها كافية
_________________
(١) انظر في بيان هذه الأمور. القاعدة الجليلة، ص٩٥ - ١٠٩، ١٣٥ - ١٣٦. والتوسل، ص٧٦ - ٨٣.
[ ٢٦٥ ]
في الرد على من يزعمون أن توصل الأعمى كان بذاته ﷺ أو بجاهه، إذ كيف تكون شفاعة الأعمى في الرسول. إلا إذا دعا له الرسول فدعا الأعمى ربه في أن يستجيب دعاء نبيه له.
سادسا: إن هذا الحديث قد ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ببركة دعائه ﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره. ولذلك ذكره المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره (١) . وهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ له (٢) .
سابعا: أن هذا الدعاء خاص بالأعمى لأنه متضمن دعاء النبي ﷺ وشفاعته له وليس من لم يدع له الرسول ويشفع له بمنزلة ذلك الضرير الذي دعا له الرسول وشفع له. ولو كان هذا عاما كما يفهمه المجيزون لكان لعميان الصحابة أو بعضهم أن يدعوا بهذا الدعاء فيحصل لهم الشفاء، فعدولهم عن هذا الدعاء إلى غيره دليل على أنه خاص بذلك الأعمى، كما أنه لو كان السبب في شفاء الأعمى هر توسله بذات النبي ﷺ وجاهه كما يفهم عامة المتأخرين لكان من الممكن أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذي يتوسلون بجاهه ﷺ ويضمون إلى ذلك جاه جميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين!!
وبعد بيان هذه الوجوه تأكد لنا أن هذا الحديث يدور حول التوسل بدعائه ﷺ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بذاته أو بجاهه، ومما تجدر الإشارة إليه أنه قد نقل عن العز بن عبد السلام القول بجواز التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته خاصة استنادا إلى حديث الأعمى (٣) .
وقد تبين لنا معنى الحديث وما يدل عليه وأنه لا حجة فيه لمن ذهب إلى
_________________
(١) انظر. دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ٦ / ١٦٦.
(٢) انظر: قاعدة جليلة، ص ٩٥.
(٣) انظر: القاعدة الجليلة، ص ١٥١.
[ ٢٦٦ ]
جواز التوسل بالذات وإن كان العز بن عبد السلام قد ذهب إلى جواز ذلك فقد خالفه في ذلك جمع كثير من أهل العلم. وعلى فرض صحة ما ذهب إليه العز بن عبد السلام فينبغي أن يكون هذا حكما خاصا بالنبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد غيره من الأنبياء والصالحين ويكون هذا من باب الخصوصيات التي لا يدخلها القياس (١) .
تنبيه: وقع في بعض طرق حديث الأعمى زيادتان استدل بهما المجيزون للتوسل غير المشروع:
- الزيادة الأولى: زيادة حماد بن سلمة إذ زاد في آخر الحديث (. . . وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) .
أي معناه أن الرسول ﷺ قال له إذا عرضت لك حاجة فافعل مثل ذلك الدعاء دون أن تأتيني. وعلى ذلك فيمكن للإنسان أن يقول هذا الدعاء دون أن يكون قد أتى إلى الرسول ﷺ في حياته ودعا له. وقد أعل ابن تيمية هذه الزيادة بالشذوذ لتفرد حماد بن سلمة بها ومخالفته من هو أوثق منه (٢) .
- الزيادة الثانية: وهي قصة الرجل مع عثمان بن عفان ﵁ وتوسله به ﷺ حتى قضيت حاجته من عثمان بن عفان. وقد أخرج هذه القصة الطبراني في معجميه الصغير والكبير، من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه. فقال له: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل
_________________
(١) انظر: التوسل، ص ٨٣.
(٢) انظر: القاعدة الجليلة، ص ١٠٢، والتوسل، ص ٩٠- ٩٢.
[ ٢٦٧ ]
فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل، فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ فتصبر، فقال: يا رسول الله: إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي ﷺ: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات» . قال عثمان بن حنيف، فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط) (١) .
هذه القصة ضعيفة الإسناد منكرة لا يجوز الاحتجاج بها (٢) أما من ناحية المتن فليس فيه حجة على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته لأن عثمان بن حنيف - لو صحت هذه القصة عنه - لم يعلم ذلك الرجل دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة: «اللهم فشفعه في، وشفعني فيه»، لأنه يعلم أن ذلك القول يستلزم أن يكون الرسول ﷺ داعيا لذلك الرجل، كما كان داعيا للأعمى، ولما كان هذا غير ممكن شرعا ولا قدرا لم يذكر هذه الجملة.
وأيضا لو قدر ثبوت هذه القصة عن عثمان بن حنيف لكان هذا مما تفرد
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني، ٩ / ١٧- ١٨. حققه وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي، ط١، مطبعة الوطن العربي، بغداد، ١٤٠٠ هـ. وانظر دلائل النبوة للبيهقي، ١٦ / ١٦٧- ١٦٨.
(٢) لضعف حفظ راويها، وتفرده بها، ومخالفته للثقات الذين رووا الحديث بدون ذكر هذه القصة. انظر: القاعدة الجليلة، ص ٩٧- ١٠٣، والتوسل، ص ٩٢- ٩٤.
[ ٢٦٨ ]
به ذلك الصحابي عن غيره، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة على ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة يمكن العمل بها.
والثابت عن أكابر الصحابة عدولهم عن التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء غيره. كما قد صح ذلك من فعل عمر ومعاوية وغيرهما (١) .
وفي هذه القصة جملة إذا تأملها العارف بفضائل الصحابة وأحوالهم وجدها دليلا على نكارتها وضعفها، وهي أن عثمان بن عفان ﵁ كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل ولا يلتفت إليه! فهذه الجملة منافية لما عرف من خلق عثمان ﵁ الذي كانت تستحي منه الملائكة لشدة حيائه، هذا مع ما عرف عنه من رفق ولين وتواضع ﵁ وعن الصحابة أجمعين (٢) وبهذا يتبين لنا أن الاستدلال بهذه القصة على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته استدلال باطل.
وإذا كان الحديثان السابقان صحيحين من حيث الإسناد. لكنهما لا يدلان على ما ذهبوا إليه من جواز التوسل بذات النبي ﷺ بعد موته، فإنهم قد استدلوا بأحاديث وآثار واهية لا تصلح للاحتجاج بها منها على سبيل المثال:
حديث توسل آدم بالنبي ﷺ الذي أخرجه الحاكم بسنده عن عمر بن الخطاب مرفوعا «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم. إنه لأحب الخلق إلي. ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» (٣) .
_________________
(١) انظر: قاعدة جليلة، ص١٠٤ - ١٠٨.
(٢) انظر: التوسل، ص ٩٩.
(٣) المستدرك على الصحيحين، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، ٢ / ٦١٥.
[ ٢٦٩ ]
هذا الحديث مما يستدل به المخالفون على إثبات التوسل بالنبي ﷺ قبل خلقه.
قال صاحب كتاب وفاء الوفا:
(اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبي ﷺ وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين، واقع في كل حال، قبل خلقه ﷺ وبعد خلقه في حياته الدنيوية، ومدة البرزخ وعرصات القيامة) (١) ثم ساق حديث توسل آدم السابق مستدلا به، وكذا استدل به السبكي وغيره (٢) .
ولكن هذا الحديث موضوع لا يجوز الاستدلال به، لوجود عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في سنده وهو متهم بالوضع.
لذا فقد حكم ببطلان هذا الحديث ابن تيمية (٣) والذهبيُّ (٤) وابنُ عبد الهادي (٥) وابن حجر (٦) . فلا يجوز لأحد أن يستدل بهذا الحديث لأجل تصحيح الحاكم له.
هذا وقد استدلوا بأحاديث وآثار كلها واهية وموضوعة ومثلها الحكايات. لكن بقي أن أنبه إلى أثر مالك الدار الذي استدل به السبكي على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد وفاته (٧) .
_________________
(١) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. نور الدين علي بن أحمد السمهودي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط ١، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٧٤ هـ، ٤ / ١٣٧١.
(٢) انظر شفاء السقام، ص ٦١، وما بعدها.
(٣) انظر: القاعدة الجليلة، ص ٨٦- ٩٠.
(٤) انظر: ميزان الاعتدال، ٢ / ٥٠٤.
(٥) انظر: الصارم المنكي، ص ٣٧.
(٦) انظر: لسان الميزان، ٣ / ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٧) انظر: ص٢٦٠، من هذا البحث.
[ ٢٧٠ ]
فهذا الأثر لا يجوز الاستدلال به لعدم صحته (١) ثم إنه مخالف لما ثبت شرعا من استحباب صلاة الاستسقاء ودعاء الله تعالى والتضرع إليه حتى يغيث العباد بإنزال الغيث عليهم. كما جرت بذلك السنة وعمل بها جماهير الأئمة ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه الدعاء للسقيا أو لغير ذلك، ولو كان هذا مشروعا لفعلوه ولنقل عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه. فلما لم يحدث ذلك دل على عدم مشروعيته وعلى بطلان هذا الأثر، وأيضا فهذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي ﷺ لا بذاته ولا بجاهه ولا بالإقسام به على الله والتي وقع فيها النزاع.
وإنما فيه طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد موته، وهذه مسألة خارجة عن محل النزاع ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف بل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولأجل هذا توسع الصوفية في معنى التوسل فأدخلوا فيه كثيرا من ألوان الشرك كالاستغاثة والاستجارة وبث الشكوى وطلب الدعاء والشفاعة والمغفرة وكافة الحاجات وإنزال الرغبات وسموا كل هذا توسلًا فإذا ثبت لهم التوسل المبتدع أدخلوا فيه التوسل الشركي، وسموا الجميع توسلًا بالنبي ﷺ وإظهارا لحبه.
وبعد بيان بطلان الشبه التي استدل بها المجيزون للتوسل غير المشروع نريد أن نعرف حكم هذا النوع من التوسل.