٩ - الطرد عن حوض النبي ﷺ: إن من شؤم البدعة على صاحبها أنه يطرد عن حوض النبي ﷺ ذلك أن الورود على الحوض إنما هو كرامة من الله لكل مسلم اتبع السنة ولقي الله عليها. والمبتدع لما خالف السنة بهواه وأحدث في الدين ما ليس منه كان من المحجوبين المطرودين عن الحوض، كما أن صاحب البدعة على إطلاقه ممن يخاف عليه ذلك.
فقد أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني. حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ،
_________________
(١) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأشبيلي المالكي (٥١٠- ٥٨١هـ) . فقيه. لغوى. محدث. من تصانيفه: الأحكام الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى، الجمع بين الصحيحين، الوافي في اللغة. الزهد. انظر: سير أعلام النبلاء، ٢١ / ١٩٨ - ٢٠٢. معجم المؤلفين، ٤ / ٩٢.
(٢) الاصطلام- بمعنى - الاختطاف والانتزاع.
(٣) سورة الرعد، آية (١١) .
(٤) العاقبة في ذكر الموت والآخرة. لأبي محمد عبد الحق الأشبيلي، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر، ط ١، مكتبة دار الأقصى الكويت، ١٤٠٦ هـ، ص ١٨٠- ١٨١.
[ ٣٠٣ ]
اختلجوا (١) دوني. فلأقولن: أي رب أصيحابي. أصيحابي. فليقالنّ لي إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» (٢) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله، بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال " أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد " فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال " أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة. بين ظهري خيل دهم بهم (٣) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال " فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء. وأنا فرطهم (٤) على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلم! فيقال " إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: سحقا (٥) سحقا» (٦) .
قال النووي:
(هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
- أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي ﷺ للسيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
- والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم
_________________
(١) اختلجوا: اقتطعوا وانتزعوا.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفات، ٤ / ١٨٠٠. .
(٣) دهم بهم: أي سود لم يخالط لونها لون آخر.
(٤) الفرط: هو الذي يتقدم القوم وبسبقهم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والأرشية.
(٥) سحقا سحقا: أي بعدا بعدا. وهذا دعاء عليم بالطرد والإبعاد.
(٦) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، ١ / ٢١٨. ورواه مالك بنحوه، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، ١ / ٢٨.
[ ٣٠٤ ]
النبي ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
- والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ﷾ فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: (ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما) (١) . .
وقال ابن عبد البر (٢) .
:
(كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر) (٣) .