الباب الثاني
الغلو والإبتداع (وفيه فصلان) الفصل الأول: الغلو في الرسول ﷺ.
الفصل الثاني: الابتداع.
[ ١٣٧ ]
الفصل الأول
الغلو في الرسول ﷺ وفيه ستة مباحث المبحث الأول: مفهوم الغلو.
المبحث الثاني: الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى.
المبحث الثالث: الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة.
المبحث الرابع: الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الصوفية. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الغلو عند الحلاج.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن عربي.
المبحث الخامس: أثر الغلو في الرسول ﷺ على الاعتقاد والأعمال.
المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في الرسول ﷺ.
[ ١٣٩ ]
المبحث الأول
مفهوم الغلو أصل الغلو في اللغة يطلق على مجاوزة الشيء حده الذي وضع له، سواء كان هذا الحد شرعيا أو عرفيا.
قال الراغب:
(الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر " والمنزلة غلو، وفي السهم غلو، وأفعالها جميعا غلا يغلو.
قال تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (١) والغلي والغليان يقال في القدر إذا طفحت، ومنه استعير قوله: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ - كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ - كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤ - ٤٦] (٢) وبه شبه غليان الغضب والحرب، وتغالي النبت يصح أن يكون من الغلي، وأن يكون من الغلو. غلواء: تجاوز الحد في الجماح، وبه شبه غلواء الشباب) (٣) وجاء في اللسان: (. . . وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده، وفي التنزيل
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٧١)، والمائدة، آية (٧٧) .
(٢) سورة الدخان، آية (٤٤-٤٦) .
(٣) المفردات، ص٣٦٤ - ٣٦٥، مادة: غلا.
[ ١٤١ ]
﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (١) وفي الحديث: «إياكم والغلو في الدين» (٢) أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
. . . ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» (٣) إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور، «وخير الأمور أوساطها» (٤) وعلى ذلك فالمادة تدور في اللغة حول مجاوزة الحد أيا كان نوعه. فإذا نظرنا إلى معنى الغلو في الشرع فسنجده موافقا للمعنى اللغوي إذ يطلق الغلو في الشرع على مجاوزة حدود الشريعة عملا أو اعتقادا.
وقد وردت مادة الغلو والنهي عنه مرتين في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (٦) قال القرطبي في تفسير الآية الأولى:
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٧١)، والمائدة، آية (٧٧) .
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حص الرمي ٢ / ١٠٠٨ وسيأتي تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب. باب في تنزيل الناس منازلهم، ٥ / ١٧٤، والحديث حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت) ١٤٦٠ هـ ١ / ٦٦٠.
(٤) لسان العرب، ٥ / ١٣٢، مادة غلا. وانظر: مقاييس اللغة ٤ / ٣٨٧- ٣٨٨.
(٥) سورة النساء، آية (١٧١) .
(٦) سورة المائدة، آية (٧٧) .
[ ١٤٢ ]
" قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] نهي عن الغلو، والغلو التجاوز في الحد، ومنه: غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها (١) ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر (٢) .
كما ورد لفظ الغلو والنهي عنه في السنة موافقا معناه لما في القرآن ففي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: «قال لي رسول ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف. فجعل ينفضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك) (٤)
_________________
(١) لداتها: أي أترابها ومثيلاتها.
(٢) الجامع لأحكام القرآن لابن عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط ٢- دار الكتب المصرية، ١٣٥٧ هـ، ٦ / ٢١.
(٣) سنن ابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر الحصى، ٢ / ١٠٠٨، ورواه النسائي في السنن. ص ب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، ٥ / ٢٦٨، والإمام أحمد ني المسند، ١ / ٢١٥ " ٣٤٧. والحديث صحيح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هدا إسناد صحح على شرط مسلم. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل. ط ١، مطابع العبيكان، الرياض، ١٤٠٤هـ، ١ / ٢٩٨٨-. ٢٨٩.
(٤) المصدر نفسه، ١ / ٢٨٩.
[ ١٤٣ ]
فهذه النصوص بينت أن الغلو- يراد به شرعا مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع قدرا ووصفا، اعتقادا وعملا. وقد وردت في الشرع ألفاظ تقارب الغلو في معناه. مثل التشدد والتشديد، والتعمق والتنطع والتكلف، وكلها مرادفة للغلو وتجتمع معه في كونها مجاوزة الحد بالزيادة على المشروع، كما يلاحظ في الغلو أنه تجاوز من مشروع إلى غير مشروع فمثلا تعظيم الرسول ﷺ والإشادة بذكره، هذا أمر مشروع طالما كان ذلك في حدود بشريته. فإذا تجاوزنا بتعظيمه حدود بشريته صار هذا غلوا.