المبحث الثالث
دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها يرتبط الحب في قلب الإنسان بدوافع وبواعث تبعث عليه مهمتها أن تحرك القلب وتدفعه نحو محبوباته.
وتتعدد هذه الدوافع وتتنوع بحسب تنوع المحبوبات واختلافها. فمن الحب ما تدفع إليه البواعث الحسية، أو العقلية، أو القلبية. وذلك لوجود صفات قامت بالمحبوب واتصف بها من كمال، أو جمال، أو إحسان، أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الباعثة على الحب. وإذا نظرنا إلى محبة الرسول ﷺ فسنجد أن البواعث عليها متنوعة ومتعددة، وذلك لكثرة ما خصه الله به من أنواع الفضائل، وما أجراه على يديه من الخيرات لأمته. إلى غير ذلك من الدواعي التي ترجع إلى مجموع خصائص النبي ﷺ وصفاته ومنها:
أولا: أن حب المسلم للرسول ﷺ تابع لحبه لله ﷿: وذلك لأن محبة الله تعالى هي أساس المحبة الشرعية، لأن الله هو المحبوب لذاته، وكل ما سواه مما يحب شرعا فمحبته تابعة لمحبة الله ﷿. وذلك كمحبة أنبيائه ورسله وملائكته وعباده الصالحين، وكذلك محبة الأعمال والأخلاق التي يحبها الله ويرضاها. فمحبة ذلك كله تبع لمحبة الله ﷿ وهي من لوازم محبته فإن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله.
وعلى ذلك فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ لأجل حب الله ﷿، فإن الرسول إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله (١) كما قال الله تعالى:
_________________
(١) انظر. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ١٠ / ٦٤٩.
[ ٥٢ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
ثانيا: أن الله تعالى أحبه واختاره من خلقه فحب ما يحبه الله من لوازم محبته: ذلك أن الله اصطفاه على الناس برسالته، وجعله خاتم النبيين، وأفضل الخلق أجمعين وحبيب رب العالمين، كما روى مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢) .
وأخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله. إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا " وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة. وأنا خاتم النبيين» (٣) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أيضا قال- قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (٤) .
وقد ثبت في الحديث أن الله إذا أحب عبدا وضع له المحبة والقبول عند أهل الأرض والسماء. أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل،
_________________
(١) سورة آل عمران، آية (٣١) .
(٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ ٤ / ١٧٨٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المناقب. باب خاتم النبيين ﷺ ٤ / ٢٢٦، ومسلم - كتاب الفضائل، باب كونه ﷺ خاتم النبيين، ٤ / ١٧٩١.
(٤) كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٤ / ١٧٨٢.
[ ٥٣ ]
فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» (١) .
قال ابن حجر:
(المراد بالقبول في حديث الباب: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله) (٢) وإذا كان هذا الشأن في عامة عباد الله فأولى بهذه المحبة وذلك القبول أفضل الخلق أجمعين رسول الله ﷺ.
وقد تحقق هذا وأضعاف أضعافه، إذ لم تعرف الدنيا رجلا فاضت القلوب بحبه وفدته النفوس بكل عزيز وغال مثلما عرف ذلك عن رسول الله ﷺ حتى أولئك الذين ناصبوه العداء لم يملكوا أنفسهم من سيطرة الإعجاب برسول الله ﷺ وإجلاله.
فرسول الله أهل لأن يحب، لحب الله له واختياره لهذا الخير العميم. ومظاهر حب الله لرسوله كثيرة جدا منها:
(أ) اختياره واصطفاؤه لمقام النبوة والرسالة، إذ لا يختار الله لهذا الأمر إلا من أحبهم وارتضاهم.
كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (٣) .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المقة من الله ٨ / ١٧.
(٢) فتح الباري، ١٠ / ٤٦٢.
(٣) سورة الحج، آية (٧٥) .
(٤) سورة الأنعام، آية (١٢٤) .
(٥) سورة الأحزاب، آية (٤٥ -٤٦) .
[ ٥٤ ]
(ب) تشريفه ﷺ بإنزال القرآن عليه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (٢) .
(ج) إكرامه ﷺ بشرح صدره ووضع وزره ورفع ذكره وإعلاء قدره قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ - وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ - الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ - وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] (٣) .
(د) تكريمه بصلاة الله وملائكته عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٤) . والصلاة من الله تتضمن الثناء عليه ومن الملائكة الدعاء له ﷺ.
(هـ) تشريفه بمقام الخلة، وهي أرفع درجة من المحبة، ولم ينلها من الأنبياء سوى إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أن رسول الله ﷺ خليل الرحمن كما كان إبراهيم ﵇ خليل الرحمن.
أخرج مسلم بسنده عن جندب قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. الا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا
_________________
(١) سورة الشورى، آية (٥٢) .
(٢) سورة الحجر، آية (٨٧) .
(٣) سورةالشرح، آية (١ - ٤) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٥٦) .
[ ٥٥ ]
تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (١) .
(و) إن الله جعله رحمة للعالمين، الإنس والجن، رحمة للمؤمنين منهم، بالعز في الدنيا والنجاة في الآخرة، وللكافرين بإمهالهم وتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) .
قال ابن القيم:
(وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] إنه باق على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عجّل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها) (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب المساجد. باب النهي عن بناء القبور مساجد ١ / ٣٧٥- ٣٧٦.
(٢) سورة الأنبياء، آية (١٠٧) .
(٣) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم. تحقيق طه يوسف شاهين، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ص٩٨ - ٩٩.
[ ٥٦ ]
وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: «قيل لرسول الله: ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعَّانا، وإنما بعثت رحمة)» (١) .
(ز) ما خصه الله به وفضله على سائر الأنبياء، كإحلال الغنائم له، ونصرته بالرعب مسيرة شهر.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٢) .
(ج) تشريفه وتكريمه يوم القيامة بكونه صاحب المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى في أن يقضي الله بين الخلائق.
وكونه أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وأول من تفتح له أبواب الجنة. إلى غير ذلك من وجوه التكريم والتشريف لنبينا محمد ﷺ والتي تعد من أقوى الدوافع إلى محبته.
ثالثا: كمال رأفته ورحمته بأمته وحرصه على هدايتها وإنقاذها من الهلكة: حتى كادت أن تذهب نفسه أسفا على قومه ألا يكونوا مؤمنين كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب البر والآداب والصلة. باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ٤ / ٢٠٠٦- ٢٠٠٧.
(٢) البخاري. كتاب التيمم، باب. قول الله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا"، ١ / ٩١- ٩٢.
(٣) سورة الشعراء، آية (٣) .
[ ٥٧ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٤) .
وقد جاءت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى. منها ما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن عبد الله بن زيد قال: «لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسَّم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله (فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاَ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ؟ قال: كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة، لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار، والناس دثار. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٥) .
_________________
(١) سورة التوبة، آية (١٢٨) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٠٣) .
(٣) سورة الأنفال، آية (٣٣) .
(٤) سورة الأنبياء، آية (١٠٧) .
(٥) البخاري. كتاب المغازي. باب غزوة الطائف ٥ / ٢٠٠. ومسلم. كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، ٢ / ٧٣٨.
[ ٥٨ ]
ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] (١) الآية. وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٢) فرفع يديه وقال (اللهم! أمتي أمتي) وبكى. فقال الله ﷿ يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم- فسله، فأتاه جبريل ﵊ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال. وهو أعلم. فقال الله يا جبريل (اذهب إلى محمد فقل: أنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» (٣) .
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» (٤) .
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي تبين حدب النبي ﷺ وشفقته على أمته ورحمته بها.
وجدير بمن كان بمثل هذه الشفقة والرحمة أن تتوجه قلوب المسلمين بكليتها إلى محبته وأن تجعل من حبه وسيلة قربى وزلفى إلى الله ﷿.
رابعا: كمال نصحه لأمته وهدايته لها وإحسانه إليها: إذ دل الأمة على كل خير يقربها إلى ربها، وحذرها من كل شر يجلب لها الذل والخزي في الدنيا والعذاب والنكال في الآخرة. فأصبح العز والتمكين في
_________________
(١) سورة إبراهيم، آية (٣٦) .
(٢) سورة المائدة، آية (١١٨) .
(٣) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب دعاء النبي ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم، ١ / ١٩١.
(٤) صحيح مسلم. كتاب الإيمان. باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته ١ / ١٨٩، والبخاري. كتاب الدعوات. باب لكل نبي دعوة مستجابة. ٨ / ٨٢.
[ ٥٩ ]
الدنيا والسعادة والنعيم في الآخرة متوقفا على اتباع منهجه وسلوك سبيله. كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١) .
وإذا كان الإنسان بفطرته يحب من نصحه أو أحسن إليه مرة أو مرتين فما بالنا بالناصح الأمين البر الشفيق على أمته والذي كانت حياته كلها نصحا لأمته وتعليما لها وتزكية لأرواحها وأبدانها. وهو الذي هدى البشرية- بإذن ربها- إلى الصراط المستقيم بعدما كانت تعيش في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، ولولا رحمة الله للناس ببعثته ورسالته لعاش الناس في بحار الظلمات تتقاذفهم الأمواج فلا يجدون إلى ساحل الهداية سبيلا.
يقول الله ﷿: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٢) .
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] (٣) .
لأجل هذا كانت المنة ببعثة النبي ﷺ عظيمة، والنعمة بذلك جسيمة. ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من أدرك الفرق بين الهدى والضلال وبين الجاهلية والإسلام وبين رضى الله وسخطه.
فمن عرف هذا الفرق وأدركه إدراكا يقينيا علم عظم هذه النعمة التي لا تعادلها نعمة على ظهر الأرض، وأحب الرسول ﷺ بكل قلبه وآثر حب الله ورسوله على ما سواهما.
_________________
(١) سورة النحل، آية (٩٧) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٦٤) .
(٣) سورة البقرة، آية (١٥١- ١٥٢) .
[ ٦٠ ]
ولأجل هذا كان الصحابة أشد الخلق حبا لرسول الله ﷺ لأنهم عاشوا الجاهلية وعاينوها عن قرب فلما جاء الإسلام وأدركوا الفرق بين الظلمات والنور ازداد تمسكهم بالإسلام واشتد حبهم على مر الأيام لهذا النبي العظيم ﷺ.
أما عظيم إحسانه إلى أمته، فلأنه كان سبب انتفاع هذه الأمة بحياتها وأرواحها وأبدانها.
بل كان هو السبب- بإذن ربه- في حياة هذه الأمة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) الآية.
وإذا كان الإنسان يحب أبويه لكونهما وسيلة وجوده، ولأنهما منحاه الرعاية والعناية حتى استطاع شق طريقه في الحياة.
فرسول الله أولى بذلك الحب لأنه كان سبب انتفاع الإنسان بحياته وبدنه وروحه. فلولا الإيمان به واتباع دينه لكان الإنسان في درجة الحيوانات أو أحط كما كانت حال الجاهلية قبل أن تشرق عليهم شمس النبوة وهكذا الشأن في كل جاهلية قديما وحديثا.
خامسا: ما خصه الله به من كريم الخصال ورفيع الأخلاق مما ميزه على سائر الخلق أجمعين: ولو لم تكن له معجزة إلا أخلاقه العظيمة لكفت دليلا على صدق نبوته وسمو تعاليم رسالته.
والمطالع في سيرته ﷺ ومواقفه المتعددة يجد أن رسول الله ﷺ قد حاز من كل خلق أرفعه، وتسنم ذرى الأخلاق حتى سما بها، فكان كما وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٢) .
_________________
(١) سورة الأنفال، آية (٢٤) .
(٢) سورة القلم، آية (٤) .
[ ٦١ ]
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا، وأصدقهم.
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشيرة، وأوفاهم عهدا، وأوصلهم للرحم، قريبا من كل بر، بعيدا عن كل إثم، لا يقول إلا حقا، ولا يعد إلا صدقا، جوادا بماله، فما قال لأحد: لا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، شجاعا يتقي به أصحابه عند شدة البأس، صابرا محتسبا في جنب الله كل مكروه وأذى، يسبق حلمه غضبه ويعفو عند المقدرة، رحيم القلب، طيب النفس، آتاه الله الكمال في الخلق والخلق، والقول والعمل، وجمله بالسكينة والوقار، وكساه حسن القبول، فاستمال القلوب وملك زمامها، فانقادت النفوس لموافقته، وثبتت القلوب على محبته، وفدته النفوس بكل عزيز وغال.
فجدير بمن كان بتلك المنزلة أن تتوجه القلوب لمحبته، وكلما اطلع الإنسان على جوانب خلقه الكريم ازداد حبا له. ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أكمل الأمة حبا له لما شاهدوه وعاينوه من أحواله الشريفة وأخلاقه الكريمة ﷺ.
هذه هي أهم موجبات محبة الرسول ﷺ ودواعيها. وهذه المحبة قد تضعف في قلب المسلم بسبب المعاصي والذنوب، أو الإقبال على حطام الدنيا. لأجل هذا يجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب التي تزيد من محبته لرسول الله ﷺ.
أسباب زيادة المحبة: يرتبط الحب في القلب بما يحركه من تذكر وتفكر، ورؤية للآثار وسماع للأخبار.
ومع وجود هذه المحركات يزداد الحب في قلب الإنسان وتطلب النفس تحصيل المحبوبات. وحب المسلم للرسول ﷺ يحركه في قلبه أمور كثيرة منها:
١ - تذكر الرسول ﷺ وأحواله: إن للمعرفة ارتباطا وثيقا بالحب، وإذا لم يعرف المسلم رسوله محمدا ﷺ
[ ٦٢ ]
ويتعرف عليه وعلى عظيم قدره ومكانته في نفسه وعند ربه، فسيكون حبه له ضعيفا منزويا في أعماق الشعور والوجدان.
فإذا أراد المسلم أن يزداد حبه لرسول الله ﷺ فلا بد له من معرفته ومعرفة جوانب شخصيته وأخلاقه وذلك بمطالعة سيرته وشمائله وأيامه والنظر فيها بتمعن لاستخلاص الدروس والعبر والعيش مع رسول الله ﷺ والأحداث التي واجهته والمواقف التي وقفها والأعمال التي قام بها والنظر إلى حال الصحابة معه وكيف كان عيشهم وجهادهم لأعدائهم وحبهم لنبيهم ﷺ.
فكلما طالع الإنسان سيرة رسول الله ﷺ وتدبرها أدرك عظمة رسول الله فازداد حبا له وشوقا إليه. ومما يكمل هذا الجانب التفكر فيما لاقاه الرسول في سبيل تبليغ الدين وعظيم حرصه على هداية الناس جميعا وشفقته على أمته ورحمته بها فإذا أدرك المسلم هذا الأمر ازداد حبا لرسول الله ﷺ.
٢ - الوقوف على هديه ﷺ والاشتغال بالسنة قولا وعملا: الوقوف على هديه ﷺ وتدبر سنته والاقتداء به في كل أمر من أمور الدين حتى يكون المسلم على بصيرة ويقين من أنه على جادة الاتباع فيجعل الرسول ﷺ أمامه في كل أمر يقوم به من أمور الدين وكأنه واحد من أصحابه يأتمر بأمره وينتهي بنهيه وكلما استمسك المسلم بهديه وسنته وعاش معها بقلبه ووجدانه كلما كان ذلك ادعى إلى تذكر رسول الله ﷺ وحبه.
وإذا كان الحب مرتبطا بالمعرفة والتذكر، فأكثر الناس حبا له أهل سنته المشتغلون بها علما وعملا، رواية ودراية لأنهم أعلم الأمة بأقواله ﷺ وأفعاله وأخلاقه وشمائله، ولو لم يكن لهم نصيب من حبه سوى الصلاة والسلام عليه لكفى بهذا شرفا.
٣ - معرفة نعمة الله على عباده بهذا النبي ﷺ: ومن أعظم أسباب هذه المعرفة التفكر في النفع الحاصل لهذه الأمة بسبب
[ ٦٣ ]
بعثة النبي ﷺ فيها ونزول القرآن عليه.
وأنه سبب نجاة هذه الأمة في الدنيا والآخرة وأن كل خير وعز وسعادة حصلت لهذه الأمة أو يقدر لها أن تحصل فبسبب اتباعه.
وأن كل بلاء حصل لهذه الأمة أو سيحصل فسببه مخالفة ما جاء به من عند ربه. وحتى تكتمل هذه المعرفة يتخيل الإنسان كيف سيكون حال هذه الأمة لو لم يبعث فيها رسول الله ﷺ وكيف كان حالها قبل مبعثه ﷺ ثم كيف أصبح حالها بعد بعثته ونزول القرآن عليه. وكيف أن الله جمع به بعد فرقة، ورفع به شأن هذه الأمة وأخرجها به من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (١) .
٤ - كثرة الصلاة والسلام عليه: إذ أنها من أعظم ما يربط قلب المسلم برسول الله ﷺ ويجعله متذكرا له دائما، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٢) .
وقد ورد الحث عليها والأمر بالإكثار منها في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٣) .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) سورة المائدة، آية (١٥-١٦) .
(٢) سورة الأحزاب، آية (٥٦) .
(٣) صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، ١ / ٣٠٦.
[ ٦٤ ]