المبحث الثاني
وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه لقد اصطفى الله محمدا ﷺ بنبوته ورسالته وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمره باتباع ما أوحي إليه وتبليغ ما أنزل إليه، فقام صلوات الله وسلامه عليه بتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة.
وقد شهد الله له بالصدق والعصمة واستمساكه بما أمره به كما شهد له بالهدى في نفسه، وأنه هاد لمن اتبعه، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (١) وهذه منزلة رسول الله ﷺ من الدين فهو المبلغ عن الله دينه ووحيه وهو الآمر بإذن مولاه والهادي إلى الصراط المستقيم. فمن آمن به فبالله آمن، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ومن قبل عنه فعن الله قبل.
لأجل هذا أمر الله العباد بطاعته وأوجب عليهم اتباع أمره وتصديق خبره، وحذرهم من مخالفته وعصيانه، وجعل طاعته فرضا لازما لكل من آمن بالله، ولم يجعل لمؤمن اختيارا في أي أمر بعد قضاء الله ورسوله فيه. وقد استفاضت آيات الكتاب العزيز في بيان أهمية هذا الأمر والتأكيد على وجوبه وفرضيته، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] (٢)
_________________
(١) سورة الشورى، آيات (٥٢-٥٣) .
(٢) سورة الأنفال، آية (٢٠) .
[ ١١١ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) فبين الله بعد الأمر بطاعة رسوله أن طاعته سبب للهدى والرحمة، كما بين سبحانه أنه لا سعادة للعباد ولا نجاة لهم في المعاد إلا باتباع الرسول ﷺ وطاعته، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] (٤) وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٥) وقد أوجب الله على المؤمنين رد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وجعل سبحانه ذلك من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاقبة والمال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٦) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (. . . ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٥٩] أي اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] أي خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أي فيما أمروا به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
_________________
(١) سورة محمد، آية (٣٣) .
(٢) سورة آل عمران، آية (١٣٢) .
(٣) سورة النور، آية (٥٤) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٧١) .
(٥) سورة النساء، آية (١٣) .
(٦) سورة النساء، آية (٥٩) .
[ ١١٢ ]
. . . وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] (١) فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي وأحسن عاقبة ومآلا (٢) وكما أوجب الله على المؤمنين الرد إلى كتابه وسنة رسوله فقد أوجب عليهم تحكيم نبيه ﷺ والتحاكم إليه والتسليم لحكمه وجعل ذلك من مستلزمات الإيمان فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) قال ابن القيم:
(. . . أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤)
_________________
(١) سورة الشورى، آية (١٠) .
(٢) تفسير ابن كثير، ١ / ٥١٨.
(٣) سورة النساء، آية (٦٥) .
(٤) سورة الأحزاب، آية (٣٦) .
[ ١١٣ ]
فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا) (١) .
وقد أمرنا الله بأن نتبع رسوله ﷺ ونمتثل أمره ونهيه في كل ما جاءنا به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٢) قال ابن كثير:
(أي: " مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر ") (٣) وهذا الأمر من الله عام شامل لكل ما جاءنا به الرسول ﷺ سواء أكان منصوبا بعينه في القرآن أو لا؟ ذلك لأن النصوص الواردة في هذا الشأن كلها توجب اتباع الرسول ﷺ وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في القرآن، ولأن الله لم يفرق بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه ﷺ، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وغالب الآيات قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، ولأن ما سنه الرسول ﷺ مما ليس فيه نص كتاب فإنما سنه بأمر الله ووحيه.
قال الإمام الشافعي:
(وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم- فبحكم الله سنه، وكذلك أخبرنا الله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (٥)
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ١ / ٥١.
(٢) سورة الحشر، آية (٧) .
(٣) تفسير ابن كثير، ٤ / ٣٣٦.
(٤) سورة النساء، آية (٨٠) .
(٥) سورة الشورى، آية (٥٢-٥٣) .
[ ١١٤ ]
وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود (١) عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا) (٢) .
وقد جاءت الأحاديث الكثرة عن النبي ﷺ في الدلالة على وجوب طاعته واتباع سنته منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» (٣) قال الطيبي (٤) .
: فيما نقله عنه الحافظ بن حجر:
(شبه ﷺ نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه) (٥) .
_________________
(١) العنود: العتو والطغيان، أو الميل والانحراف. انظر لسان العرب ٣ / ٣٠٧ وما بعدها.
(٢) الرسالة. للإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ط ١، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ١٣٥٨ هـ، ص ٨٨- ٨٩.
(٣) البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء سنن رسول الله ﷺ ٩ / ١١٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ١٤ / ٧٨٨- ١٧٨٩.
(٤) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (. . . - ٧٤٣ هـ)، مفسر محدث، كان شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة. من تصانيفه شرح المشكاة وشرح الكشاف للزمخرشي، شرحه شرحا حسنا، ورد عليه فيما خالف فيه مذهب أهل السنة والجماعة. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، ٢ / ١٥٦ -١٥٧.
(٥) فتح الباري، ١١ / ٣١٧.
[ ١١٥ ]
وأخرج البخاري أيضا بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١) والمراد بالإباء هنا هو الامتناع عن التزام سنة رسول الله ﷺ وعصيان أمره.
والموصوف بالإباء إن كان كافرا فلا يدخل الجنة أبدا وإن كان مسلما منع من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى (٢) وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٣) .
فهذا الحديث يؤكد أن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمر - وهم العلماء والأمراء - ما لم يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
وأخرج الترمذي وأبو داود وأحمد - واللفظ له - عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ٩ / ١١٤.
(٢) انظر: فتح الباري، ١٣ / ٢٥٤.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ٩ / ٧٧.
(٤) سورة النساء، آية (٨٠) .
[ ١١٦ ]
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) ففي هذا الحديث يوصي الرسول ﷺ أصحابه ومن يأتي بعدهم بالتمسك بالسنة ولزومها والاعتصام بها.
قال ابن رجب:
(وهذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه (٢) ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة.
. . . . والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعمان وعلي ﵃) (٣) وكما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بطاعته، حذرهم من الخروج عن سنته ورهبهم من تركها والإعراض عنها، فقال فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة
_________________
(١) المسند ٤ / ١٢٧، وأبو داود. في السنة، باب لزوم السنة ٥ / ١٣- ١٥، والترمذي في الحلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، ٤ / ١٤٩- ١٥٥، وقال: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم، هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين. انظر - جامع العلوم والحكم، لابن رجب، طبع دار الفكر، بيروت، ص ٢٤٣.
(٢) يشير إلى حديث افتراق الأمة ولفظه " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب شرح السنة ٥ / ٥- ٦، وأحمد في المسند ٤ / ١٠٥، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ١ / ١٢٨. انظر: السلسلة الصحيحة للألباني، ١ / ٣٥٨ وما بعدها.
(٣) جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٨- ٢٤٩.
[ ١١٧ ]
ومسلم عن أنس ﵄: «فمن - من - رغب عن سنتي فليس مني» (١) وقال فيما أخرجه مسلم عن عائشة ﵂: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) وقد نبه الرسول ﷺ على من يحاول رد السنة ورفضها بدعوى الاكتفاء بالقرآن. وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود - واللفظ له - والترمذي - وصححه وحسنه - عن أبي رافع عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (٣) .
وأخرج أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شعبان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه» (٤) .
قال الخاطبي:
" هذا الحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه - ﷺ - أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر المتلو.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٧ / ٢.
(٢) سبق تخريجه. ص٧٠.
(٣) سنن أبي داود. كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ٥ / ١٢. والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهى أن يقال عند حيث النبي ﷺ ٤ / ١٤٤، والمسند ٦ / ٨.
(٤) سنن أبي داود، كتاب باب لزوم السنة، ٥ / ١٠- ١٢، الحديث إسناده صحيح. انظر: المشكاة، ١ / ٥٧ - ٥٨.
[ ١١٨ ]
والثاني: أن معناه أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي مثله من البيان، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص وأن يزيد عليه في الشرع ما ليس في الكتاب له ذكر فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن (١) وقد تضمن هذا الحديث تحذيرا شديدا من مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ استغناء عنها بالقرآن.
يقول الخطابي:
" يحذر بذلك من مخالفة السنة التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي تضمنت بيانا للكتاب فتحيروا وضلوا (٢) ثم أتبع رسول الله ﷺ هذا التحذير ببيان أحكام ثبتت شرعيتها بالسنة ولم يرد لها ذكر في القرآن وذلك كتحريم لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع. وهذا تأكيد من رسول الله ﷺ على أن السنة - متى ثبتت - حجة بنفسها وإن تضمنت أحكامها زائدة على ما في القرآن.
قال الخطابي:
" في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه ".
فأما ما رواه بعضهم أنه قال: " إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه " فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: " هذا حديث وضعته الزنادقة " (٣)
_________________
(١) معالم السنن للخاطبي بهامش سنن أبي داود، ٥ / ١٠.
(٢) معالم السنن، ٥ / ١٠.
(٣) معالم السنن، ٥ / ١١.
[ ١١٩ ]
هذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ، إذ ظهرت في الأمة طوائف تنكر السنة كلها أو بعضها بدعوى الاستغناء عنها بالقرآن وكان من أوائلهم الخوارج والروافض والمعتزلة حيث أثر عن هذه الطوائف إنكار لبعض الأحكام التي وردت في السنة.
وقد وجدت منهم عناصر في زمن الإمام الشافعي وناظر بعضهم (١) وتوالى ظهور من يدعو إلى مثل هذه الأفكار على مر التاريخ حتى عصرنا الحاضر، إذ وجدت فرقة تسمت باسم (القرآنيين)، قد ظهرت في الهند والباكتسان، وسرت عدواها إلى مصر وغيرها من البلاد العربية.
وتذهب هذه الفرقة إلى إنكار السنة وحجيتها بدعوى الاكتفاء بالقرآن، واخترعوا دينا جديدا لا مرجع فيه إلى السنة. وإنما اعتمدوا على القرآن بزعمهم، مدعين أن القرآن وحده كاف لإقامة الحياة الإسلامية وليست هناك حاجة إلى السنة.
وبناء عل ذلك تأولوا- بأهوائهم- آيات القرآن بما يجعله شاملا للأحكام بتفاصيلها، وراحوا يلتمسون من الشبهات ما يقوي بنيانهم، ولو أننا استغنينا عن السنة لانهدم الدين من أساسه ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه. وليس المقام هنا مقام الرد على هؤلاء الزنادقة ودحض شبهاتهم فقد اكتفيت فيه برد غيري (٢) .
وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين بالتحذير منهم، فأخرج الدارمي بسنده عن عمر ﵁ قال: «إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (٣)
_________________
(١) انظر: كتاب جماع العلم ضمن كتاب الأم للإمام الشافعي، ط٢، نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٣هـ، ٧ / ٢٧١ وما بعدها.
(٢) انظر في عرض آراء هذه الفرقة وشبهاتها والرد عليها. رسالة: فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها. رسالة ماجستير مقدمة من الباحث خادم إلهي حسين بخش إلى جامعة أم القرى، ١٤٠١ هـ.
(٣) سنن الدارمي، ١ / ٤٩.
[ ١٢٠ ]
وأخرج الآجري بسنده عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله ﷺ حديثا فقال رجل: (إن الله قال في كتابه كذا وكذا، فقال: لا أراك تعارض حديث رسول الله ﷺ بكتاب الله ﷿، رسول الله أعلم بكتاب الله ﷿ ﷾) (١) .
وأخرج ابن عبد البر بسنده عن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف ابن عبد الله بن الشخير: (لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) يريد بذلك رسول الله ﷺ (٢) .
بقي أن أنبه إلى أمر مهم جدا تغافل عنه أكثر المسلمين اليوم ألا وهو مكانة الرسول ﷺ وسنته من الدين، فأكثر المسلمين اليوم على أن اتباع السنة وتطبيقها أمر اختياري من باب المستحبات لا الواجبات، والسبب الأكبر في ذلك غلبة الجهل بالسنة ومكانتها من الدين، وسكوت العلماء والدعاة- إلا من رحم الله- عن نشر السنة وتقريبها إلى الناس، هذا مع غلبة التعصب المذهبي على أكثرهم مما حال بينهم وبين البحث عن الهدي النبوي الشريف.
لأجل هذا صارت السنة في أكثر البقاع مهجورة وغريبة وأغرب منها من يستمسك بها ويدعو إليها.
هذا مع ادعاء الأكثرية أنهم مازالوا على الصراط المستقيم، وأنهم مطيعون متبعون، وكأن الاتباع يثبت بمجرد الدعوى دون أدلة وشواهد حقيقية وواقعية. ورغم كل هذا فلا تزال طائفة من هذه الأمة في كل بلد قائمة بالسنة داعية إليها صابرة على ما تلاقي من ألوان الأذى والصد عن سبيل الله.
_________________
(١) كتاب الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر. حديث أكاديمي، فيصل آباد، باكستان، ص٥١.
(٢) جامع بيان الحلم وفضله وما يبغي في روايته وحمله للإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر. المكتبة العلمية، المدينة المنورة، ٢ / ١٩١.
[ ١٢١ ]
كما أخبر بذلك نبينا ﷺ بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) .
لذا كان لأبد من تحديد آثار الاتباع ومظاهره حتى يتبين المتبع حقا من غيره، وهذا ما سأبينه في المبحث القادم إن شاء الله.
_________________
(١) صحيح مسلم. كتاب الإمارة. باب قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ٣ / ١٥٢٣.
[ ١٢٢ ]