المبحث الرابع
الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية إذا كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في هذه الأمة بغلوهم في علي ﵁ والأئمة من ذريته حسب زعمهم فإن الصوفية قد انتقلت إليها عدوى الغلو من الشيعة في المقام الأول. وهناك تشابه كبير في كثير من الجوانب بينهما. فإذا كان المذهب الشيعي قد دار فيه الغلو حول علي ﵁ والأئمة من ذريته فإن الغلو عند الصوفية قد دار حول الرسول ﷺ والأولياء من بعده أو بالأصح حول الحقيقة المحمدية- حسب تعبيرهم والأولياء من بعد.
وإذا وجد في غلاة الشيعة من قال إن روح الإله قد حلت في النبي ﷺ ثم في علي ﵁ وأولاده من بعده، فقد وجد في الصوفية من يقول بالحلول كالحلاج مثلا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فكانت الشيعة المتأثرة بالتراث المجوسي اليهودي لدى السبئية وفرق الغلاة ثم التراث الفلسفي اليوناني والمصري لدى الإسماعيلية القرامطة أصحاب رسائل إخوان الصفاء كان هؤلاء هم المعبر الرئيسي لانتقال العقائد الباطلة إلى الصوفية (١) .
وقد أكد ابن خلدون هذه الصلة بين التصوف والتشيع في حديثه عن مذهب وحدة الوجود وتوابعه فقال: (وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين
_________________
(١) انظر الفلسفة الصوفية في الإسلام ص ٥٧٧ وما بعدها.
[ ١٦١ ]
مذهب الآخر فاختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فصول التصوف منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد.
وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به.
ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال (١) بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (٢) .
حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم رفعوه إلى علي ﵁ وهو من هذا المعنى أيضا وإلا فعلي ﵁، لم يختص من بين الصحابة بتخلية، ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر ﵄ أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة) (٣) .
_________________
(١) الأبدال جمع بدل واختلف في عدتهم فقيل سبعة وقيل ثلاثون وقيل أربعون كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا. وقد ورد فيهم حديث ضعيف منقطع الإسناد عن علي ﵁ مرفوعا إلى النبي ﷺ " الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف بهم من أهل الشام العذاب " (المسند، ١ / ١١٢) . وأخرج الإمام أحمد بسنده عن عبادة بن الصامت مرفوعا: " الأبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن ﷿ كلما مات رجل أبدل الله ﵎ مكانه رجلا، قال الإمام أحمد عقبه: حديث منكر (المسند، ٥ / ٣٢٢) وأحاديث الأبدال كلها موضوعة أو واهية منكرة لا تثبت بمثلها حجة. انظر: السلسلة الضعيفة للألباني، ٢ / ٣٣٩- ٣٤١. وانظر لنقد فكرة الأبدال. مجموع فتاوى ابن تيمية، ١١ / ٤٣٣ وما بعدها.
(٢) النقباء جمع نقيب وهو السيد المطاع في قومه وقد كانوا في بني إسرائيل اثنا عشر نقيبا على عدد الأسباط، لقوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا المائدة، آية (١٢) وحينما بايع الرسول ﷺ الأنصار ليلة العقبة جعل عليهم اثني عشر نقيبا يتولون أمر الدعوة بين أهليهم وعشيرتهم. والشيعة الإمامية الاثنا عشرية قالوا بإمامة اثني عشر من آل البيت عدتهم كعدة نقباء بني إسرائيل. فمن هنا شاع على الأئمة لفظ النقباء.
(٣) مقدمة ابن خلدون، طبع المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ص ٤٧٣.
[ ١٦٢ ]
ويؤكد المعاصرون من الشيعة والصوفية على حد سواء هذه الصلة بينهما.
يقول سيد حسين نصر:
". . . . فقد كانت هناك بعض الصلات بين التصوف والتشيع - وعلى الأخص بطابعه الإسماعيلي - كما يبدو مما ذكره إخوان الصفا عن التصوف في سائلهم وهم إن لم يكونوا حتما من أصل إسماعيلي، فهم بلا ريب قد نشئوا في وسط شيعي، واقترن ذكرهم فيما بعد بالحركة الإسماعيلية (١) ولم تكن هذه الصلة بين التصوف والتشيع صلة عفوية من قبيل التأثير والتأثر المجرد بل كانت تيارا منظما هدفه تقويض دعائم الإسلام، تأثرا بالغوصية الفارسية، وتحويل الدين إلى خليط عجيب من الفلسفة والوثنية والدين وذلك تحقيقا لآمال الفرس وغيرهم من أصحاب المبادئ الشعوبية الناقمين من انتشار الإسلام ولعل في توافق الشيعة والصوفية في أكثر البلاد وإفساح كل واحدة المجال لصاحبتها قديما وحديثا ما يؤكد ذلك الهدف المشبوه. على أن التشيع لم يكن هو الرافد الوحيد الذي أمد الصوفية بهذه العقائد والأفكار فقد كانت هناك روافد أخرى متمثلة في التراث الهندي الذي اقتبس منه الصوفية كثيرا من نظرياتهم في المجاهدة والسلوك والزهد. كما أخذوا من النصارى الرهبنة والخلوات والخوانق التي تشبه الأديرة كما أخذوا عنهم مذهب الغنوصية (٢) .
وعن الفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة أخذوا فكرة العقول العشرة ووحدة الوجود (٣) وقد استمد الصوفية عقائدهم وأفكارهم من كل مصدر وسعهم أن يستمدوا
_________________
(١) الكشف عن حقيقة الصوفية: محمود عبد الرؤوف القاسم، ط ١، دار الصحابة بيروت ١٤٠٨ هـ، ص ٧٨٤، نقلا عن الصوفية بين الأمس اليوم، ص ١٣٤.
(٢) الغنوصية: كلمة يونانية معناها المعرفة ولكنها تطورت حتى صارت تعي التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا أو تذوق المعارف تذوقا مباشرا بطريقة الكشف وهذا هو معنى الذوق عند الصوفية. انظر: الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص ٤ وما بعدها.
(٣) انظر: تفصيل ذلك في الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص٣ وما بعدها والكشف عن حقيقة الصوفية، ص ٧٤٧ وما بعدها.
[ ١٦٣ ]
منه وحاولوا أن يصوغوها في قالب إسلامي حتى يقبلها العامة.
لكن الذي يهمنا في هذا المجال هو غلو الصوفية في الرسول ﷺ وسآخذ مثالين من الصوفية:
أولهما: الحلاج باعتباره أول صوفي ادعى الألوهية بحلول الله فيه كما أنه أول من غلا في الرسول ﷺ بادعائه أن الله حل فيه وقوله بقدم النور المحمدي.
ثانيهما: ابن عربي باعتباره صاحب مذهب وحدة الوجود في المحيط الصوفي ولأنه أشهر من قال بالحقيقة المحمدية التي هي أعظم مظهر تجلى فيه الحق بزعمه.
كما كان لآراء ومعتقدات ابن عربي أكبر الأثر في انحراف أكثر الصوفية إلى مذهب وحدة الوجود.
وسأتحدث في المطلبين القادمين عن الحلاج، ثم عن ابن عربي.
[ ١٦٤ ]