المبحث السادس
حكم الإسلام في الغلو في رسول الله ﷺ لقد جاءت نصوص الشرع بإثبات بشرية الرسول - ﷺ -، وأنه بشر محكوم بقوانين البشرية غير أنه مفضل بخصائص تناسب نبوته ورسالته ويأتي التأكيد على هذا الأمر لئلا يتطرق الغلو إلى الرسول - ﷺ - مثلما وقع لليهود مع عزير وللنصارى مع عيسى ابن مريم ﵇.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ - خَاصَةً النَّصَارَى - عَنِ الْغُلُوِّ وحذرهم من سوء عاقبته فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) الآية.
وفي نهي الله لهم تَحْذِيرٌ لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في عيسى ورفعهم له فوق مرتبته ووصفه بصفات الألوهية، فوقعوا بسبب ذلك في الشرك والكفر المخرج عن الملة.
لأجل هذا نهى الرسول - ﷺ - عن الغلو في الدين عامة وفيه خاصة وذلك في أحاديث كثيرة.
منها ما أخرجه النسائي وابن ماجه واللفظ له بسنده «عن ابن عباس - ﵄ - قال: (قال لي رسول - ﷺ - غداة العقبة وهو على
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٧٧) .
(٢) سورة النساء، آية (١٧١) .
[ ٢٠٢ ]
ناقته: " ألقط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: " أمثال هؤلاء فارموا " ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١) .
قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث:
(وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف.
وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) .
وسبب هذا اللفظ عام: رمي الجمار. وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين كما نراه في النصارى. وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكا) (٣) .
ومنها ما أخرجه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده. فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) .
ففي هذا الحديث تحذير واضح لهذه الأمة من الإطراء في مدحه - ﷺ - حتى لا يفضي ذلك إلى الغلو فيه كما غلت النصارى من قبل في عيسى بن مريم ﵇.
والنهي عن الإطراء في هذا الحديث يحتمل أمرين:
_________________
(١) سبق تخريجه، ص ١٤٧.
(٢) سورة النساء، آية (١٧١) .
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم، ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٤) سبق تخريجه، ص ٢٤.
[ ٢٠٣ ]
- إما النهي عن مطلق المدح والاقتصار على وصفه بأنه عبد الله ورسوله.
- وإما النهي عن المبالغة في المدح لئلا يؤدى ذلك إلى وصف الرسول - ﷺ - بصفات الألوهية. ولكلا الأمرين ما يؤيده من الأحاديث (١) .
وبين الرسول - ﷺ - في هذا الحديث منزلته التي أنزله الله إياها، وهي مرتبة العبودية لله، ﷿، ثم مرتبة الرسالة التي اصطفاه الله لها.
فأمر الرسول - ﷺ - أمته أن تصفه بالعبودية والرسالة ولا تتجاوز ذلك إلى غيره من الأوصاف التي تتضمن الإطراء المنهي عنه.
ومع أن هذا الحديث حجة قاطعة في النهي عن الإطراء وسد باب الغلو في الرسول - ﷺ - إلا أن الغلاة حاولوا تأويل هذا الحديث بما يبطل معناه ويؤدى إلى نقيضه، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو إطراء مشابه لإطراء النصارى لعيسى، ووصفهم له بصفات الألوهية والربوبية وقولهم عنه أنه الله أو ابن الله. وما سوى ذلك من أنواع الإطراء فليس بمذموم بل هو مستحب (٢) .
فأجازوا إطراء الرسول - ﷺ - بما دون وصفه بصفات الألوهية والربوبية. وظنوا أن هذا من قبيل التعظيم لرسول الله - ﷺ -.
كما قال البوصيري في البردة:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وأنسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم (٣)
وهذا جهل واضح بمعنى الحديث ومقصود الرسول - ﷺ - به لأن معناه النهي عن المدح أصلا، أو النهي عن المبالغة فيه.
ثم إن تعظيم الرسول - ﷺ - لا يكون إلا بما شرعه، ووصفه ومدحه بدون قيد قد يدخل في أنواع من الشرك
_________________
(١) انظر: التوسل. أنواعه وأحكامه. للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط٥، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤ هـ، ص ٨٨ - ٨٩.
(٢) انظر الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي لابن حجر الهيتمي ص ٦١.
(٣) ديوان البصيري ص١٩٣.
[ ٢٠٤ ]
كالاستغاثة به - ﷺ - عند الشدائد وطلب الحاجات منه إلى غير ذلك من أنواع الغلو المفضي إلى الشرك، الذي نهى الله ورسوله عنه.
وليت هؤلاء الغلاة وقفوا في إطرائه - ﷺ - عند هذا الحد فلم يصفوه بصفات الألوهية والربوبية كما فعلت النصارى، بل إنه قد وصل بهم الغلو إلى مساواة الرسول - ﷺ - بالله.
يقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية:
(فشأن محمد في جميع تصرفاته هو شأن الله، تعالى، فليس لمحمد - ﷺ - من محمد شيء ولذلك كان نورا ذاتيا من عين ذات الله) (١) وفي هذا الكلام من الكفر الصريح ما فيه والذي يناقض ما جاء به الرسول - ﷺ - من تحقيق التوحيد وسد الذرائع إلى الشرك.
ومن الأحاديث التي وردت في النهي عن الإطراء في المدح ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك - ﵁ - «أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله - ﷺ - " عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» (٢) .
وأخرج أبو داود بسنده «عن عبد الله بن الشخير - ﵁ - قال: (انطلقت في وفد بنى عامر إلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: أنت سيدنا فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: " قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» (٣) .
_________________
(١) النفحات الأقدسية، ص ٩.
(٢) سبق تخريجه، ص ٨٩.
(٣) سنن أبي داود. كتاب الأدب، باب كراهية المدح، ٥ / ١٥٤ - ١٥٥، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٣ / ٢٢٦.
[ ٢٠٥ ]
قال الخطابي:
(وإنما منعهم - فيما نرى - أن يدعوه سيدا، مع قوله «أنا سيد ولد آدم»، وقوله للخرزج «قوموا إلى سيدكم» - يريد سعد بن معاذ - من أجل أنهم قوم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كما هي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم، وينقادون لأمرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: «قولوا بقولكم» يريد قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبيا ورسولا، كما سماني الله - ﷿ - في كتابه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم، إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة، فسموني نبيا ورسولا (١) .
فكره رسول الله - ﷺ - من أصحابه أن يواجهوه بالمدح لئلا يفضي ذلك إلى الغلو، وأخبر أن مواجهة المادح للممدوح بمدحه - ولو بما فيه - من عمل الشيطان لما يقتضيه المدح والإطراء من تعاظم الممدوح في نفسه وهذا ينافي التوحيد، لأنه يدخل في النفس الكبر والعجب المفسد للاعتقاد والعمل.
كما في الحديث القدسي «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئا منهما قذفته في النار» (٢) .
وفي الحديث «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (٣) .
وهذه الآفات سببها محبة المدح، لأجل هذا كره الرسول - ﷺ - من أصحابه أن يواجهوه بالمدح والإطراء حتى لا ينافي هذا عبوديته الخالصة لربه، فمقام العبودية يقتضي كراهية المدح أصلا، والنبي - ﷺ - لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك
_________________
(١) معالم السنن للخطابي، ٥ / ١٥٥.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، ٤ / ٣٥٠ - ٣٥١. وبنحوه أخرجه مسلم مرفوعا إلى النبي - ﷺ - كتاب البر. باب تحريم الكبر، ٤ / ٢٠٢٣.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، ١ / ٩٣.
[ ٢٠٦ ]
ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد من أن يدخل عليه ما يفسده من الشرك ووسائله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] (١) . ورأوا أن فعل ما نهاهم الرسول - ﷺ - عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات (٢) .
وفي قوله - ﷺ -: «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» دليل قاطع على كراهية الرسول للمدح بما سوى العبودية والرسالة وأخبر أن هذه هي منزلته الحقيقية التي أنزله الله إياها، وهذا مما يبين أن الغلاة قد سلكوا في غلوهم مسلكا لا يحبه الرسول - ﷺ - ولا يرضاه بل نهي عنه في مواقف كثيرة.
وقد أنكر الرسول - ﷺ - على من قال له ما شاء الله وشئت فقال له: «أجعلتني والله عدلا بل ما شاء الله وحده» (٣) كما أنكر على معاذ - ﵁ - حينما هم أن يسجد له (٤) ومعاذ إنما قصد بذلك تعظيم النبي - ﷺ -، لكن النبي أنكر عليه ذلك لأنه لا ينبغي السجود إلا لله وحده، فكل من عظم الرسول - ﷺ -، بما لم يشرعه فقد غلا فيه وإن ظن أنه بذلك معظما.
ومن هذا الباب نهيه - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدا ومسجدا حتى لا تقع الأمة في الشرك. فحقق الرسول - ﷺ - لأمته التوحيد وسد كل الذرائع إلى الشرك وقطع أسبابه والتي من أعظمها الغلو فيه، لأجل هذا كان الغلو في الرسول - ﷺ - محرما لأنه يفضي إلى الشرك والكفر، ولما يتضمنه هذا الغلو من القدح في مقام الألوهية وتفرد الله بصفات الربوبية.
ولأن فيه تنقيصا للنبي - ﷺ - لأن كماله في عبوديته لربه كما يتضمن الكذب عليه لأن الرسول - ﷺ - ما دعا الخلق إلا إلى إفراد الخالق بالعبادة، ولم يدعهم
_________________
(١) سورة البقرة، آية (٥٩) .
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، ص٧٣١ - ٧٣٣.
(٣) سبق تخريجه، ص ٨٩.
(٤) انظر المسند، ٤ / ٣٨١، ٥ / ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ٢٠٧ ]
إلى عبادة نفسه ووصفه بصفات الرب كما أنه لم يدع أنه من نور، أو أن له في الكون شيئا من التدبير، أو أنه يعلم الغيب إلى غير ذلك مما يعتقده الغلاة فيه.
بل عد ذلك مما يناقض الدين الذي جاء به، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (١) الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢٢] (٢) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] (٣) .
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أعلم خلق الله بعد رسوله - ﷺ - بالدين وأشدهم حبا وتعظيما لله ولرسوله - ﷺ - ومعرفة لحقوقه - لم يتعاملوا معه - ﷺ - إلا على أنه بشر مثلهم رسول، لا على أنه إنسان حل فيه الإله، أو أنه روح الله أو أنه مخلوق من نور إلى آخر ما يعتقده الغلاة. ولا دعوا الناس إلى ذلك، وإنما دعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأن رسول الله - ﷺ - عبد الله اصطفاه الله لرسالته وعلى هذا جرى سلف هذه الأمة. إلى أن رفعت الزندقة رأسها فوجد في الأمة من أنواع الغلو ما يناقض شرع الله.
وما علمت هذه المقالات ولا ابتدعت إلا من أناس زنادقة منافقين كالحلاج
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (٥٠) .
(٢) سورة الجن، آية (٢٠-٢٢) .
(٣) سورة آل عمران، آية (٧٩-٨٠) .
[ ٢٠٨ ]
وابن عربي والجيلي وابن الفارض (١) وغيرهم من الغلاة الذين سار على نهجهم أكثر الصوفية حتى زماننا هذا.
وهذه المقالات التي ابتدعوها هي كفر وزندقة متسترة بدعوى حبهم للرسول - ﷺ - وتعظيمه.
فهي في ميزان الشرع كفر صريح أو مؤدية للكفر ومن اعتقد فيها وقال بها عن علم فقد كفر.
وذلك كالقول بقدم النور المحمدي وأنه مادة العالم وأن الرسول كان بحقيقته موجودا قبل أن يخلق آدم وأنه إنسان عين الله، وأنه هو الحقيقة الإلهية السارية في الوجود بأسره وأن الحقيقة المحمدية هي العقل الكلي الذي يصل ما بين الوجود المطلق وهو الله وما بين عالم الطبيعة (الخلق) .
وأن الحقيقة المحمدية هي روح الله المنفوخ في آدم وأن محمدا - ﷺ - كان خلقا في ظاهره خالقا في باطنه وأن الأنبياء كانوا صورا للحقيقة المحمدية وأن الحقيقة المحمدية ليست إلا الله متعينا في أول تعيناته وهي اسم الله الأعظم إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.
فهذه الأمور من اعتقدها فلا شك في كفره وزندفته، كما حكم جمع من العلماء بكفر ابن عربي ومن تابعه على معتقده (٢) ومع كون هذه الأمور كفرا بواحا، إلا أن هؤلاء الزنادقة الضلال موهوه وخرفوه وأخرجوه في قالب محبة الرسول - ﷺ - وحجبوا الناس عن تلقي حقائق الشرع، والعلم بالدين حتى لا ينكشف للناس زيغهم وضلالهم.
وشجعهم على ذلك انتشار الجهل بين غالبية المسلمين حتى عد هؤلاء
_________________
(١) عمر بن علي بن مرشد المعروف بابن الفارض حموي الأصل، مصري المولد والدار والوفاة. اشتغل بالفقه والحديث أول أمره ثم انتقل إلى التصوف فكان أكثر الصوفية شعرا، ومن أشهر شعره تائية السلوك التي جمع فيها فنون الالحاد والاتحاد والكفر برب العالمين. توفي (٦٣٢ هـ) . قال عنه الذهبي " ينعق بالاتحاد الصريح في شعره وهذه بلية عظيمة فتدبر نظمه ولا تستعجل ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثم إلا زي الصوفية وإشارات مجملة وتحت الزي والعبارة فلسفة وآفاعي فقد نصحتك والله الموعد ". ميزان الاعتدال، ٣ / ٢١٤ - ٢١٥. وانظر لسان الميزان، ٣ / ٣١٧ -٣١٩. وشذرات الذهب، ٥ / ١٤٩- ١٥٣.
(٢) انظر: العقد الثمين، ٢ / ١٦٠ وما بعدها. وتنيه الغبي إلى كفر ابن عربي، ص ١٥٠ وما بعدها.
[ ٢٠٩ ]
الضلال من علماء الدين وأولياء الله الصالحين.
فراجت في سوق الجهل بضاعتهم وأقبل عليها الجهال يحسبونها دينا يتقربون به إلى الله فإذا بهم قد وقعوا في الشرك الأكبر وصاروا عبيدا لهؤلاء الضلال يتلاعبون بعقولهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة. والمحفوظ من حفظه الله فأنار بصيرته وفتح للحق قلبه وعقله.
[ ٢١٠ ]