ثالثا- البدع المتعلقة بزيارة قبره ﷺ: المشروع في زيارة قبره ﷺ هو أن يأتي المسلم إلى المسجد النبوي فيقول دعاء دخول المسجد، ثم يقصد الروضة الشريفة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد إن تحن في الروضة وإلا ففي أي موضع من المسجد ثم يسلم على رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ قائلا: السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر. السلام عليك يا عمر. كما كان يفعل ذلك ابن عمر ﵄ إذا قدم من سفر (٣)
_________________
(١) شرح ديوان البرعي في المدائح الربانية والنبوية والصوفية للشاعر الشيخ عبد الرحيم البرعي، ط ١، مكتبة المعارف، محمد سعيد كمال، الطائف، ١٤٠٤، ص٨٨.
(٢) المصدر نفسه، ص١٩٢.
(٣) أخرج ذلك الأثر. البيهقي في السنن الكبرى. كتاب الحج. باب زيارة قبر النبي ﷺ، ط١، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن الهند، ١٣٥٢هـ. وأخرجه مالك بنحو من هذا في الموطأ. رواية محمد بن الحسن الشيباني تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ص٣٣٤.
[ ٢٧٤ ]
والزيارة بهذه الكيفية مستحبة لمن قدم إلى المدينة قاصدا مسجد رسول الله ﷺ، أو لمن كان يريد السفر من أهل المدينة وهذا الاستحباب مأخوذ من الأحاديث العامة الواردة في فضل زيارة القبور ولم يثبت بخصوص زيارة قبره ﷺ حديث يحتج به عند أهل العلم (١) ولكن الناس ابتدعوا في باب زيارته ﷺ بدعا كثيرة خرجت بالزيارة عن أصلها المشروع. فمن هذه البدع:
١ - اعتقاد أن زيارة قبره ﷺ واجبة: سرى في أذهان كثير من الناس أن زيارة القبر النبوي واجبة، ويعتقد كثير منهم أنها مكملة لمناسك الحج، لا يتم الحج بدونها، والذي دفعهم إلى ذلك أمور منها:
- الجهل بأحكام الذين ومراتب العبادات حتى اختلط على كثير من الناس الواجب بالمندوب، والحرام بالمكروه، فاختل فهمهم للشرع بسبب الابتعاد عن علمه وفقهه.
- الاستدلال بعدة أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضل زيارة قبر النبي ﷺ ذكرها بعض الفقهاء والمؤلفين في المناسك واشتهر ذكرها بين الناس دون تمييز بين الصحيح والضعيف، فكان لهذه الأحاديث أثرها في اعتقاد كثير من الناس وجوب الزيارة فمن هذه الأحاديث:
(أ) «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٢) هذا حديث منكر لا يصح الاحتجاج به.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٧ / ٣٨٣.
(٢) رواه الدارقطني من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبد الله أو عبيد الله العمري، وهذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن هلال وجهالته واضطرابه. فمرة يرويه عن عبيد الله ومرة عن عبد الله، وسواء هذا أو ذاك فهو منكر الحديث لا يحتج به. انظر: سنن الدارقطني، ٢ / ٢٧٨، والصارم المنكي، ص١٨ - ٢٣.
[ ٢٧٥ ]
(ب) «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» (١) وهذا حديث منكر المتن ساقط الإسناد. ومما يدل على ضعفه ونكارته أن من زار قبره ﷺ بعد موته ليس كمن زاره في حياته فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا كان من أصحابه المشهود لهم بالدرجة العالية في هذه الأمة، وأما من بعدهم فلن يبلغ رتبتهم ولو شاركهم في فعل الواجبات، فكيف يستوي معهم بفعل ما ليس واجبا كزيارة القبر النبوي مثلا (٢) (ج) «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وهذا حديث موضوع (٣) ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي ﷺ من الكبائر إن لم يكن كفرا، وهذا الحديث يدل على أن زيارة قبره ﷺ واجبة، مع أن الزيارة المشروعة لا تتجاوز عند العلماء حدود المستحبات. فكيف يكون تاركها مجافيا للنبي ﷺ ومعرضا عنه (٤) .
فاعتقاد وجوب زيارة قبره ﷺ اعتقاد باطل ليس له ما يؤيده من السنة الصحيحة، ولا من أقوال أهل العلم الذين يقتدى بهم. فمن اعتقد أن الزيارة واجبة،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من طريق حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث ضعيف لتفرد حفص بن سليمان به. وهو متروك الحديث وشيخه ليث بن أبي سليم ضعيف لاختلاطه. انظر سنن الدارقطني، ٢ / ٢٧٨، والسنن الكبرى للبيهقي، ٥ / ٢٤٦. وانظر في بيان ضعف الحديث الصارم المنكي، ص ٥٥ وما بعدها، والسلسلة الضعيفة للألباني، ١ / ٦٢ - ٦٣.
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص ٥٧.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق علي بن إسحاق عن محمد بن محمد بن النعمان عن جده النعمان بن شبل عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث آفته النعمان بن شبل البصري لأنه متهم بالوضع. لأجل هذا حكم الذهبي على هذا الحديث بالوضع وكذا الزركشي وابن الجوزي كما في الفوائد المجموعة للشوكاني. انظر: الكامل في أسماء الرجال لابن عدي، ٧ / ٢٤٨٠. وانظر في بيان ضعف الحديث لسان الميزان، ٦ / ١٦٧، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، ص ١١٨، والصارم المنكي، ص ٧٨، وما بعدها.
(٤) انظر: السلسلة الضعيفة، ١ / ٦١.
[ ٢٧٦ ]
أو متممة للحج، أو أنها المقصود الأكبر من الحج فاعتقاده باطل. على أنه لا يعني القول بعدم وجوب الزيارة أنها ليست مستحبة كلا بل هي مستحبة لمن قدم المدينة من سفر أو خرج منها قاصدا سفرا. كما دل على ذلك فعل ابن عمر ﵄.
٢ - الدخول إلى المسجد النبوي كهيئة المستأذن من الرسول ﷺ للدخول عليه: جاء في كتاب أبي الحسن الشاذلي (١) أنه (لما قدم المدينة زادها الله تشريفا وتعظيما وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليما. فسئل عن ذلك فقال حتى يؤذن لي، فإن الله ﷿ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢) فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام يا علي ادخل) (٣) . وهذه بدعة منكرة لم يقل بها أحد من أهل العلم سلفا وخلفا، وقياس الدخول عليه ﷺ بعد موته بدخول بيته في حياته قياس باطل، فإن الداخل إنما يدخل المسجد أصلا سواء في حياته أو بعد موته، ودخول المسجد لا يحتاج إلى استئذان. ولو كان مشروعا لفعله الصحابة ﵃.
٣ - التزام كيفية معينة في زيارة قبره ﷺ من حيث الوقوف والسلام والدعاء: فبعض الناس يقف أمام القبر الشريف كهيئة المصلي واضعا يده اليمنى على اليسرى وهذا أمر تعبدي لا يجوز فعله إلا في الصلاة.
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي المغربي، رأس الطريقة الشاذلية وإليه تنتسب. انظر: ترجمته في معجم المؤلفين، ٧ / ١٣٧.
(٢) سورة الأحزاب، (٥٣) .
(٣) أبو الحسن الشاذلي - الصوفي المجاهد والعارف بالله، بقلم عبد الحليم محمود، ص ٧٩- ٨٠، ط دار الكتاب العربي مصر، ١٩٦٧ م.
[ ٢٧٧ ]
وأما السلام فكثير من الناس يتجاوز السلام إلى الدعاء مستقبلا القبر وهذا أمر غير جائز شرعا، فإذا أراد الإنسان الدعاء فليستقبل القبلة. وقد اعتاد (المزوّرون) أن يلقنوا الناس صيغا من السلام والدعاء يرددونها بصوت مرتفع. وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما لا يجوز أن يحدث في أي مسجد فضلا عن مسجد رسول الله ﷺ.
وأما الدعاء فكثير من الناس تجاوز حد الشرع في الدعاء فيطلبون من الرسول ﷺ ما لا يطلب إلا من الله وفي هذا من الشرك ما فيه وذلك كقولهم: (يا رسول الله نحن وفدك جئناك من بلاد بعيدة، قاصدين قضاء حقك، والنظر إلى مآثرك، وأن نستشفع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا، أنت الشافع المشفع، الموعود بالشفاعة والمقام المحمود، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] (١) وقد جئناك مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا نادمين، الشفاعة، الشفاعة يا رسول الله) (٢) .
وهذا من البدع المفضية إلى الشرك لأن طلب الشفاعة، والموت على السنة، وغير ذلك من الحوائج، لا يجوز طلبها إلا من الله وحده، فلا يجوز سؤالها وطلبها من النبي ﷺ، بعد موته. وأما طلب الدعاء فإنما يكون في حياته لا بعد مماته.
٤ - التمسح بالحجرة وتقبيل شباكها واستلامه والطواف بها: وهذه أمور من العبادة لا تجوز إلا في الكعبة. ففعلها في المسجد النبوي محرم شرعا.
_________________
(١) سورة النساء، آية (٦٤) .
(٢) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، د. نور الدين عتر، ط٢، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص٢٦٠.
[ ٢٧٨ ]
٥ - اعتقاد الزائر أن الرسول ﷺ يعلم خواطره ونياته: قال ابن الحاج (١) (وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم أن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه ﵊ كما هو في حياته. إذ لا فرق بين موته وحياته، أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم. وهذا عنده جلي لا خفاء فيه) (٢) . وقال: (وقد لا يحتاج الزائر في طلب حوائجه ومغفرة ذنوبه أن يذكرها بلسانه بل يحضر ذلك في قلبه وهو حاضر بين يديه ﷺ، لأنه ﵊ أعلم منه بحوائجه ومصالحه وأرحم به منه لنفسه، وأشفق عليه من أقاربه) (٣) .
وهذا الأمر لا يجوز أن يوصف به الرسول ﷺ في حياته فكيف يوصف به بعد مماته، لأن علم الغيب ومكنونات الصدور خاص بالله ﷿ لا يطلع عليه أحد غيره ولا يليق وصف أحد به سوى الله ﷿، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٥) .
فمن اعتقد أن الرسول ﷺ يعلم الغيب، وما تكّنه الصدور في حياته أو بعد مماته فقد أشرك. إلا أن يطلع الله نبيه على بعض أمور الغيب فذلك من خصوصيات النبوة. لا أنه يعلم الغيب مطلقا.
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري المالكي الفاسي (. . . - ٧٣٧هـ) . فقيه مالكي، من تصانيفه: مدخل الشرع الشريف، شموس الأنوار وكنوز الأسرار. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، ٤ / ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) المدخل، ١ / ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) المصدر نفسه، ١ / ٢٦٤.
(٤) سورة النمل، آية (٦٥) .
(٥) سورة الأعراف، آية (١٨٨) .
[ ٢٧٩ ]
٦ - اتخاذ قبره ﷺ عيدا: ومعنى اتخاذه عيدا، أن يعتاد التردد عليه والازدحام عنده كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها. أو أن يجعل لها وقت معين سواء كان كل أسبوع أو شهر أو سنة. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: فيما أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ له بسنديهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) ولأجل هذا كره الإمام مالك ﵀ التردد على القبر فقال فيما نقله عنه القاضي عياض:
(. . . . وليس يلزم من دخل المسجد أو خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. . . ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقدم على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل العلم ببلدنا وتركه واسع. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك) (٢) .
٧ - التزام الزائر الإقامة بالمدينة ثمانية أيام والصلاة في المسجد النبوي أربعين صلاة حتى تكتب له البراءة من النار: وذلك استنادا إلى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس عن النبي ﷺ قال: «من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتبت له براءة من
_________________
(١) سبق تخريجه، ص٨٣.
(٢) الشفا، ٢ / ٨٨.
[ ٢٨٠ ]
النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق» (١) وهذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
ووجه البدعة في هذا أنه تخصيص لعدد من الأيام أو الصلوات بثواب معين ومثل هذا لا يثبت إلا بدليل صحيح وهذا الدليل ضعيف. فيكون هذا التخصيص من قبيل البدعة. أما مجرد الصلاة في المسجد النبوي- بدون تحديد وقت معين- فهو أمر مرغب فيه شرعا، لما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) .
٨ - ومنها ما قاله صاحب وفاء الوفا: (أن يقدم " أي الزائر " صدقة بين يدي نجواه للرسول ﷺ) (٣) أخذا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] (٤) وهذه الآية منسوخة عند جماهير العلماء بالآية التي تليها (٥) وهي قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] (٦) ثم إن قياس زيارة قبره ﷺ بنجواه في حياته قياس باطل لأن المقصود من الزيارة هو السلام عليه ﷺ وليس هذا من قبيل النجوى لأنه يسمعه كل أحد، ثم إن النجوى إن كانت مشروعة فللرسول في حياته فكيف وهي منسوخة؟
_________________
(١) المسند، ٣ / ١٥٥، وهذا الحديث ضعيف لأن في سنده مجهولا، وهو نبيط بن عمرو الذي روى هذا الحديث عن أنس، ولم يعرف عند المحدثين إلا بهذا الحديث. انظر: السلسلة الضعيفة، ١ / ٣٦٦.
(٢) صحيح البخاري. كتاب المساجد، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٢ / ٧٦.
(٣) وفاء الوفا، ٤ / ١٣٩٣.
(٤) سورة المجادلة، آية (١٢) .
(٥) انظر تفسير الطبري، ٢٨ / ٢٠ - ٢٢، وتفسير القرطبي، ١٧ / ٣٠١ - ٣٠٣.
(٦) سورة المجادلة، آية (١٣) .
[ ٢٨١ ]
٩ - ومنها ما قاله أيضا: (إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة فإنه عبادة قياسا على الكعبة المعظمة) (١) وهذا باطل لأنه لم يثبت بدليل صحيح أن النظر إلى الكعبة عبادة. ولو سلم هذا فالعبادات لا تثبت بالقياس وإنما بالنص والتوقيف. ثم إن قياس الحجرة الشريفة بالكعبة قياس باطل. لأن البيت الحرام يختص بأنواع من العبادات لا يجوز فعلها في غيره.
١٠ - الاستغاثة بالرسول ﷺ وبث الشكوى إليه: ولهم في ذلك حكايات وأشعار يطول ذكرها، وقد أورد صاحب وفاء الوفا عدة حكايات فيمن استغاث به ﷺ (٢) منها أن رجلا من أهل غرناطة نزلت به علة عجز الأطباء عنها وأيسوا من برئه، فكتب عنه أحد الشعراء كتابا إلى النبي ﷺ يسأله فيه الشفاء لدائه والبرء مما نزل به وضمنه شعرا قال فيه:
كتاب وقيذ من زمانه مستشف بقبر رسول الله أحمد يستشفي
له قدم قد قيد الدهر خطوها فلم يستطع إلا الإشارة بالكف
ولما رأى الزوار يبتدرونه وقد عاقه عن ظعنه عائق الضعف
بكى أسفا واستودع الركب إذ غدا تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشفيع لربه دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا وقد أخلص النجوى وأيقن بالعطف
رجاك لضر أعجز الناس كشفه ليصدر داعيه بما جاء من كشف
لرجل رمى فيها الزمان فقصرت خطاه عن الصف المقدم في الزحف
وإني لأرجو أن تعود سوية بقدرة من يحيي العظام ومن يشفي
_________________
(١) وفاء الوفا، ٤ / ١٤١٠.
(٢) المصدر نفسه، ٤ / ١٣٧٩ - ١٣٨٧.
[ ٢٨٢ ]
فأنت الذي نرجوه حيا وميتا لصرف خطوب لا تريم إلى صرف
عليك سلام الله عدة خلقة وما يقتضيه من مزيد ومن ضعف (١)