خامسا- الصلوات المبتدعة على رسول الله ﷺ: لقد ابتدع الصوفية فيما ابتدعوا صيغا للصلاة على النبي ﷺ زاعمين لها من الفضل والثواب وتكفير الذنوب والسيئات شيئا كثيرا ويتعاظم إفكهم حينما يقولون إن رسول الله ﷺ علمها لشيخ الطريقة يقظة أو مناما وأمره أن يعلمها أصحابه. مثل صلاة الفاتح (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم) (١) .
يزعم التيجانيون إفكا وبهتانا أن هذه الصلاة أفضل من القرآن ومن كل ذكر وقع في الكون ستة آلاف مرة.
يقول التيجاني:
(. . . . ثم أمرني بالرجوع ﷺ إلى صلاة الفاتح لما أغلق. فلما أمرني بالرجوع إليها سألته ﷺ عن فضلها، فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا بأن المرة الواحدة منها تعدل من في تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر، ومن كل دعاء كبير وصغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (٢) .
وهذا كفر صريح لأنه تفضيل لكلام البشر على كلام الله رب العالمين وتحقير من شأن القرآن وصد الناس عنه كما كان يفعل كفار قريش قائلين فيما حكاه الله عنهم.
_________________
(١) انظر: التيجانية، ص١١٦.
(٢) المصدر نفسه، ص١١٦، نقلا عن أحزاب وأوراد التيجاني، ص ١٢.
[ ٢٨٥ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] (١) .
ومن هذه الصيغ تلك الصلوات التي تصف الرسول ﷺ بأوصاف الألوهية، وذلك مثل قولهم: (اللهم صل على الكمال المطلق والجمال المحقق عين أعيان الخلق ونور تجليات الحق. فصل اللهم بك منك فيه عليه وسلم) (٢) ومنها قولهم: (اللهم صل على محمد نور الذات وسر الساري في جميع الأسماء والصفات ﷺ) (٣) ومنها الصلاة المنسوبة لعبد السلام بن مشيش (٤) ولفظها (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق فتضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك عليه، كما هو أهله. اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، القائم لك بين يديك. اللهم ألحقني بنسبه، وحققني بحسبه، وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك، حملا محفوفا بنصرتك، واقذف بي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحار الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد، ولا أحس، إلا بها، واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي. . . . إلخ) (٥) .
وواضح من هذه الصلاة غلو قائلها في الرسول ﷺ، ثم كفره بدين الإسلام وعقيدته وهي التوحيد، حيث وصفها بالأوحال!! لماذا؟ لأنها تفرق بين الخالق
_________________
(١) سورة فصلت، آية (٢٦) .
(٢) مجموعة أحزاب وأوراد أحمد بن إدريس، ص٦٣.
(٣) دلائل الخيرات ص٦٣.
(٤) انظر ترجمته في معجم المؤلفين، ٥ / ٢٣٢.
(٥) أفضل الصلوات ص١١١- ١١٢.
[ ٢٨٦ ]
والمخلوق، وبين الرب والعبد. لكنه لا يريد ذلك يريد أن يكون ربا وعبدا، حقا وخلقا!! ومن العجيب أن يقول النبهاني (١) عقب هذه الصلاة إنها: (من أفضل الصيغ المشهورة ذات الفضل العظيم) ثم نقل أقوال من استحسنوها من سلفه الصرفية ومنها: (. . . وفي قراءتها من الأسرار ومن الأنوار ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وبقراءتها (ينزل) المدد الإلهي والفتح الرباني. .) (٢) إلخ.
ومنها صيغ كثيرة تضمنت أنواعا من الغلو المذموم الذي نهى الله ورسوله عنه مثله: (اللهم جدد وجرد في هذا الوقت وفي هذه الساعة من صلواتك التامة وتحياتك الزاكيات ورضوانك الأكبر الأتم على أكمل عبد لك في هذا العالم من بني آدم، الذي أقمته لك ظلا، وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحلا واصطفيته لنفسك وأقمته بحجتك وأظهرته بصورتك، واخترته مستوى لتجلياتك ومنزلا لتنفيذ أوامرك ونواهيك في أرضك وسماواتك وواسطة بينك وبين مكوناتك. . .) (٣) . ومنها: (اللهم صلي على الذات المحمدية، واللطيفة الأحمدية شمس سماء الأسرار ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجمال) . . . إلخ (٤) .
ومنها صيغ كثيرة زعموا لها ثوابا وفضلا كثيرا من عند أنفسهم. منها صلاة السعادة ولفظها: (اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما في علم الله صلاة دائمة بدوام ملك الله) .
قال النبهاني بعد إيرادها نقلا عن الشيخ أحمد دحلان: (أن ثوابها بستمائة ألف صلاة، ومن داوم على قرائتها كل جمعة ألف مرة. كان من سعداء
_________________
(١) يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، (١٢٦٥- ١٣٥٠هـ) . انظر: ترجمته في الأعلام، ٨ / ٢١٨.
(٢) انظر: أفضل الصلوات، ص١١٢ - ١١٣.
(٣) دلائل الخيرات، ص٢٨.
(٤) المصدر السابق، ص٨٨.
[ ٢٨٧ ]
الدارين) (١) ومنها صلاة الإنعام ولفظها: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد إنعام الله وإفضاله) (٢) .
قال النبهاني نقلا عن الشيخ أحمد الصاوي (٣) (هذه صلاة الإنعام وهي من أبواب نعيم الدنيا والآخرة لتاليها، وثوابها لا يحصى) (٤) .
وهذه الصيغ كثيرة لدى الصوفية. بل إنها مجال تنافس بين الطرق الصوفية، إذ كل طريقة تدعي أن لديها من الأوراد (الأدعية، والأذكار والصلوات) ما يقدر بكذا وكذا من الثواب، وإن فيها من الفضل لقارئيها ما يجعلهم من الأولياء الواصلين بسرعة أو إن من فضيلة هذه الأوراد أن شيخ الطريقة قد أخذها من النبي ﷺ مباشرة يقظة أو مناما وأن الرسول ﷺ قد وعد من يقرؤها بالقرب منه، ودخول الجنة، وغير ذلك من الدعاوى العريضة التي لا تساوي في ميزان الشرع- المأخوذ من الكتاب والسنة- شيئا، لأن الشرع لا يؤخذ من الرؤى والمنامات. ولأن الرسول ﷺ لم يأمرنا بذلك في حياته، فلو علم فيه خيرا لنا لدعانا إليه. فكيف وهو مضاد لما جاء به؟ صاد عن دينه وسنته، ويبين هذا أن هذه الأوراد المبتدعة قد حرمت كثيرا من المسلمين من التقرب إلى الله بالعبادات الشرعية التي جعلها الله سبيلا للتقرب إليه والفوز بمرضاته. فكم صدت هذه الأوراد المبتدعة أناسا عن قراءة القرآن وتدبره، وكم شغلت كثيرين عن قيام الليل بالسهر على قراءة الأوراد ثم النوم عن صلاة الفجر، وكم صرفت كثيرا من الناس عن التعبد بالعبادات الشرعية، وكم شغلت كثيرا عن معرفة الواجبات الشرعية، والعمل بها، فصار أكثر الناس جهلة بسبب اشتغالهم بهذه الأوراد. فأي حرمان أكبر من هذا؟ وما ذلك إلا بسبب انصرافهم عن الشرع إلى الهوى، وعن السنة إلى البدعة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ١٤٩- ١٥٠.
(٢) المصدر نفسه، ص ١٥١.
(٣) أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي (١١٧٥- ١٢٤١ هـ) . فقيه مالكي. مصري. انظر ترجمته في الأعلام، ١ / ٢٤٦.
(٤) أفضل الصلوات، ص١٥١.
[ ٢٨٨ ]