١ - عدم قبول عمل المبتدع: لما كان المبتدع قد تعبد الله بما لم يشرعه من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات وكان قبول الأعمال متوقفا على شرطين الإخلاص لله رب العالمين والاتباع لرسول الله ﷺ، والمبتدع قد أخل بشرط الاتباع فحرم بسبب بدعته قبول عمله، ويراد بعدم القبول أمران:
- إما أن يراد به عدم قبول أعمال المبتدع مطلقا سواء منها ما خالف السنة أو وافقها.
_________________
(١) بحسب بدعته.
(٢) الاعتصام، ١ / ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٩٠ ]
- إما أن يراد به عدم قبول ما ابتدعه خاصة دون غيره.
- أما الأول: فيدل عليه ما ورد في السنة من أحاديث في هذا الباب منها: حديث رسول الله ﷺ في الخوارج وقد روي بروايات متعددة منها ما رواه مسلم بسنده عن زيد بن وهب الجهني، (أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁. الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي ﵁: " أيها الناس: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (١) .
فهذا الحديث يدل على عدم قبول أعمالهم مع اجتهادهم في العبادة وما ذاك إلا بسبب اعتقادهم الفاسد وبدعتهم الضالة.
ومنها حديث ابن عمر في القدرية: حيث قال لمن سأله عنهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استشهد بحديث جبريل (٢) .
ومنها ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف» (٣) والإحداث المذكور في الحديث يشمل الابتداع وغيره. وقد اختلف في معنى الصرف والعدل فعند الجمهور الصرف: الفريضة والعدل: النافلة وعن الأصمعي. الصرف التوبة والعدل: الفدية (٤) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ٢ / ٧٤٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ١ / ٣٦- ٣٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ٢ / ٩٩٩.
(٤) انظر: فتح الباري، ٤ / ٨٦.
[ ٢٩١ ]
فهذه الأحاديث وإن وردت في أصناف من المبتدعة بأوصافهم إلا أنه يخشى أن تشمل بقية أهل البدع.
ومما يوضح هذا أنه إذا كانت البدعة أصلا يتفرع عنه سائر الأعمال فكل ما يبنى على هذا الأصل فهو بدعة مردودة على صاحبها.
مثال ذلك: إنكار العمل بخبر الآحاد بإطلاق وجعل العقل حاكما والشرع تابعا إلى غير ذلك من البدع. فهذه البدع لا تختص بجانب واحد بل تتعداه إلى غيره فكل ما انبنى على هذه البدع- التي جعلها المبتدعة أصولا- فهو بدعة مردودة على صاحبها.
ويتعمق الشاطبي في التحليل فيرى أن من أسباب عدم قبول أعمال المبتدع هو ضعف اعتماده على الشرع، واعتقاده أنه بدون بدعته لا يتم له التقرب إلى الله. فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) معنى يعتبر به عند هؤلاء. وإنما جرهم إلى ذلك هو أن أهل البدع سلكوا مع نصوص الشرع مسلك التأويل زعما منهم بأن هذه النصوص لا تفيد اليقين وأن أمر دينهم لا يستقيم إلا بتأويلهم فلأجل هذا ضعف اعتمادهم ويقينهم في الشرع في الوقت الذي حسنوا فيه الظن بآرائهم وعقولهم وأذواقهم (٢) .
قال ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا
_________________
(١) سورة المائدة، آية (٣) .
(٢) انظر: الاعتصام، ١ / ١١١ - ١١٢.
[ ٢٩٢ ]
ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيفما أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها) (١) .
والذي يظهر لي والله أعلم أن المقصودين بذلك هم أهل الأهواء والفرق ممن كانت بدعهم أصولا تفرعت عنها غيرها. بخلاف أصحاب البدع الجزئية.
- الأمر الثاني: أن يكون المراد بعدم القبول لأعمالهم. ما ابتدعوه خاصة دون غيره، ويدل على ذلك قوله ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) .
فهذا الحديث يبين أن العمل المخالف للشرع مردود لكونه مخالفا، أما سائر الأعمال إن جاءت موافقة للشرع كانت أقرب إلى القبول. ولا يلزم من رد هذا العمل المبتدع رد سائر الأعمال التي تكون موافقة للشرع ما لم تكن البدعة بدعة شركية.