وإنما سُموا غلاةً؛ لأنهم غلوا في علي ﵁، وقالوا فيه قولًا عظيمًا، ذكره الأشعري (^٣).
وقد دخل في جملة هؤلاء فرقٌ كثيرةٌ وطوائفُ شتى، يجتمعون في اعتقادهم في الصحابة على عقيدةٍ باطلةٍ مركبةٍ من ضلالتين: الغلو في علي وأهل بيته ﵃ إلى درجة التأليه أو ادعاء نبوتهم، والقدح في أصحاب النبي ﷺ وأزواجه إلى حد التكفير، والمبالغة في لعنهم وسبهم وشتمهم.
ومن هؤلاء: السبئية: يزعمون أن عليًّا ﵁ لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥، ٨٨، ١٣٦).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥).
[ ٣٨ ]
قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا (^١)، وهم أتباع عبد الله ابن سبأ.
ذكروا أنه قال لعلي ﵁: أنت أنت، يعني: أنت الإله (^٢).
وذكر بعض المصنفين في الفرق والمقالات: أن ابن سبأ غلا في علي وزعم أنه كان نبيًّا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة، ورُفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قومٍ منهم (^٣).
وابن سبأ هو أول من أظهر الطعن في أصحاب النبي ﷺ بدعوى انتزاع الخلافة من علي، وكان من مقالته التي دعا إليها أن قال لأتباعه: «محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.
ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يُجز وصية رسول الله ﷺ! ووثب على وصي رسول الله، وتناول أمر الأمة.
ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم» (^٤).
وقال النوبختي الرافضي في حديثه عن ابن سبأ: «وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ﵇، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، فمن هنا
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٥).
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٥)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٧٧).
(٣) انظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص ٢٣٣)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (ص ١٢٣).
(٤) تاريخ الطبري (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١).
[ ٣٩ ]
قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذٌ من اليهودية» (^١).
ومن فرقهم: الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن زينب الأسدي، يزعمون أن الأئمة آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أولًا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء الله وأحباءه (^٢).
ومن فرقهم: الجناحية: أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وقد ادعى عبد الله هذا أنه رب، وأنه نبي، فعبده شيعته، وهم يكفرون بالقيامة ويدعون أن الدنيا لا تفنى، ويستحلون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم (^٣).
كما ادعى أيضًا أن روح الإله كانت في آدم، ثم في شيث، ثم دارت في الأنبياء والأئمة، إلى أن انتهت إلى علي، ثم دارت في أولاده الثلاثة، ثم صارت إليه (^٤).
ومن فرقهم: المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي، الذي زعم أن الإمامة دارت في أولاد علي حتى انتهت إلى أبي جعفر الباقر، وادعى أنه خليفة الباقر، ثم زعم أنه عرج به إلى السماء، وأن الله مسح على يديه، وقال له: يا بُني بلغ عني (^٥).
_________________
(١) فرق الشيعة (ص ٢٢).
(٢) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٤٧)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٨٣).
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٦٧).
(٤) انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٤٦).
(٥) انظر: المصدر السابق (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).
[ ٤٠ ]
ومن فرقهم المشهورة والتي هي أعظم خطرًا من غيرها: الباطنية.
وحكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة، منهم: ميمون بن ديصان القداح.
وقد ذكر المحققون أن ميمون القداح كان يهوديًّا متعصبًا لليهودية (^١).
وهذه الطائفة لها عدة أسماء تداولها الناس على اختلاف الأعصار والأزمنة، ومن أسمائهم: القرامطة، والخرمية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية وغيرها على ما ذكره الغزالي في فضائح الباطنية (^٢).
وحقيقة معتقد هؤلاء كما وصفه الغزالي: «أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض» (^٣).
وقال: «اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان» (^٤).
وذكر من عقيدتهم في النبوات: أن المنقول عنهم في هذا هو قريب من قول الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخصٍ فاضت عليه العلوم.
وأما عقيدتهم في الإمامة؛ فقد اتفقوا على أنه لابد في كل عصرٍ من إمامٍ معصومٍ يرجع إليه في تأويل الظواهر والمشكلات، حيث زعموا أن للقرآن
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (ص ٢٨٢ - ٢٨٤)، وكشف أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (ص ١٧).
(٢) انظر: فضائح الباطنية (ص ١١).
(٣) فضائح الباطنية (ص ٣٧).
(٤) المصدر نفسه (ص ٣٨).
[ ٤١ ]
ظاهرًا وباطنًا، وأنه لا يعلم الباطن إلا الأئمة ومن أفضوا إليه بأسرار القرآن (^١).
قال الغزالي: «والقول الوجيز: أنهم لما عجزوا عن صرف الخلق عن القرآن والسنة، صرفوهم عن المراد بهما إلى مخاريق زخرفوها» (^٢).
وقال عبد القاهر البغدادي: «الذي يصح عندي من دين الباطنية: أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها» (^٣).
وهذه الفرق المذكورة كلها تُكفر أكثر الصحابة، كما نقله المحققون لمذاهبهم ومقالاتهم.
يقول عبد القاهر البغدادي: «إن الباطنية والمنصورية والجناحية والخطابية قد أكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة بإخراجهم عليًّا من الإمامة في عصرهم» (^٤).