من أصول أهل السنة والجماعة: محبة أصحاب النبي ﷺ جميعهم، وموالاتهم والترضي عليهم، والاستغفار والدعاء لهم، واعتقاد تفضيلهم على كل من جاء من بعدهم من الأمة، وبراءتهم مِنْ كل مَنْ ينحرف عنهم أو يطعن فيهم أو ينتقصهم من الروافض والنواصب.
وإنما يقرر أهل السنة هذا الأصل -وهو محبة أصحاب النبي ﷺ لما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة من وجوب محبتهم وتوليهم.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
روى الإمام أحمد عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أعطى لله تعالى ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله؛ فقد استكمل الإيمان» (^١).
ومن المعلوم أن محبة أصحاب النبي ﷺ وتوليهم داخلة تحت عموم الأمر بوجوب موالاة المؤمنين، بل هي مقدمة على محبة غيرهم؛ لسابق فضلهم وعلو منزلتهم في الدين، وما اختصهم الله تعالى به من صحبة نبيه ﷺ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٤/ ٣٩٩) ح (١٥٦٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٨) (ح ٢٦٩٤)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ١١ ]
وقد نص النبي ﷺ على وجوب محبتهم في أكثر من حديث، وأخبر أن محبتهم من علامات الإيمان؛ كما أن بغضهم من علامات النفاق.
روى الشيخان من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار» (^١).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلا منافقٌ، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (^٢).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبغض الأنصار رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر» (^٣).
وفيه عن علي ﵁ أنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ ألا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافقٌ» (^٤).
فلهذه النصوص وغيرها مما جاء في معناها أحب أهل السنة والجماعة أصحاب النبي ﷺ ولم يفرقوا بين أحد منهم، ونصوا على ذلك في أقوالهم وكتبهم.
وقد اشتهرت أقوال السلف في الحث على محبة الصحابة وتوليهم.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١١٣) ح (٣٧٨٤)، وصحيح مسلم (١/ ٨٥) ح (٧٤).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١١٣) ح (٣٧٨٣)، وصحيح مسلم (١/ ٨٥) ح (٧٥).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٨٦) ح (٧٦).
(٤) صحيح مسلم (١/ ٨٦) ح (٧٨).
[ ١٢ ]
منها: ما ذكره الإمام اللالكائي في أبوابٍ مستقلة أفردها لما روي عن السلف من الآثار في الحث على محبة الصحابة، وذلك في كتابه: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة».
ومن ذلك: ما رواه عن قبيصة بن عقبة أنه قال: «حب أصحاب النبي ﷺ كلهم سنة» (^١).
وقيل للحسن: حب أبي بكر وعمر سنة؟ قال: «لا، فريضة» (^٢).
وعن مسروق قال: «حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة» (^٣).
وقال أيوب السختياني: «من أحب أبا بكر الصديق فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الدين، ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ؛ فقد برئ من النفاق» (^٤).
وعن بشر بن الحارث يقول: «قلت لمالك بن مغول: أوصني.
قال: أوصيك بحب الشيخين: أبي بكر وعمر.
قلت: أوصني.
قال: أوصيك بحب الشيخين: أبي بكر وعمر.
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٧/ ١٢٤٠).
(٢) المصدر السابق (٧/ ١٢٣٩).
(٣) المصدر السابق (٧/ ١٢٣٩).
(٤) المصدر السابق (٧/ ١٢٤٣).
[ ١٣ ]
قلت: إن الله أعطى من ذلك خيرًا كثيرًا؟
قال: أي لكع، والله إني لأرجو لك على حبهما ما أرجو لك على التوحيد» (^١).
وقال الإمام الطحاوي: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والسنة محبة عثمان وعلي جميعًا، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما؛ ﵃» (^٣).
وقال ﵀ مُبينًا ضابط المحبة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة: «والمحبة الصحيحة: أن يحب العبد ذلك المحبوب على ما هو عليه في نفس الأمر، فلو اعتقد رجلٌ في بعض الصالحين أنه نبي من الأنبياء، أو أنه من السابقين الأولين فأحبه؛ لكان قد أحب ما لا حقيقة له؛ لأنه أحب ذلك الشخص بناءً على أنه موصوفٌ بتلك الصفة وهي باطلةٌ، فقد أحب معدومًا لا موجودًا، كمن تزوج امرأة توهم أنها عظيمة المال والجمال والدين والحسب؛ فأحبها، ثم تبين له أنها دون ما ظنه بكثيرٍ؛ فلا ريب أن حبه ينقص بحسب نقص اعتقاده؛ إذ الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
_________________
(١) المصدر السابق (٧/ ١٢٤٥).
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص ٦٨٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٨).
[ ١٤ ]
إلى أن قال: وهكذا من أحب الصحابة والتابعين والصالحين معتقدًا فيهم الباطل كانت محبته لذلك الباطل باطلةٌ، ومحبة الرافضة لعلي ﵁ من هذا الباب؛ فإنهم يحبون ما لم يوجد وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته الذي لا إمام بعد النبي ﷺ إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر ﵄ ظالمان معتديان، أو كافران.
فإذا تبين لهم يوم القيامة أن عليًّا لم يكن أفضل من واحدٍ من هؤلاء، إنما غايته أن يكون قريبًا من أحدهم، وأنه كان مقرًّا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصومًا لا هو ولا هم، ولا كان منصوصًا على إمامته؛ تبين لهم أنهم لم يكونوا يحبون عليًّا، بل هم من أعظم الناس بغضًا لعلي ﵁ في الحقيقة» (^١).
وينبغي أن يعلم أن من لوازم المحبة الصادقة لصحابة النبي ﷺ التي كان عليها السلف الصالح:
١ - الدعاء لهم والترحم عليهم، كما قال تعالى بعد ثنائه على المهاجرين والأنصار في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
٢ - نشر فضائلهم بين الناس والكف عن ذكر ما فيه انتقاص لهم.
قال الإمام أبو نعيم في الإمامة: «فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زللهم ونشر محاسنهم ومناقبهم وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٦).
[ ١٥ ]
من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان» (^١).
٣ - تربية الأطفال على احترامهم وحبهم وإنزالهم منازلهم دون إفراطٍ أو تفريطٍ، كما كان عليه سلفنا الصالح.
فقد روى اللالكائي عن الإمام مالك أنه قال: «كان السلف يُعلِّمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن» (^٢).
وإن مما يقوي محبة أصحاب النبي ﷺ في القلب: ما ينتج عن محبتهم من ثمرة صحبتهم يوم القيامة والحشر في زمرتهم ورفقتهم في الجنة؛ كما أخبر النبي ﷺ فيما روى البخاري عنه أنه قال: «المرء مع من أحب» (^٣).
وفي رواية: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله: «المرء مع من أحب» (^٤).
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة (ص ٣٧٣).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٤٠).
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٨).
(٤) صحيح البخاري مع فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٩).
[ ١٦ ]
المبحث الثاني
التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم
[ ١٧ ]