التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم
منهج أهل السنة والجماعة في كل ما يقررونه من أصول يقوم على ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، والوقوف عندها، والأخذ بمقتضاها بناء على فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- لها، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح، الذين أنار الله تعالى بصائرهم وهداهم للتمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم.
ومن تلك الأصول: موقفهم من فضائل الصحابة وترتيبهم في الفضل؛ فهم يقفون عند النصوص في هذا الأصل العظيم والذي ضل فيه الكثيرون ممن خالفوا منهجهم.
وقد سبق ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أن الحب الصحيح لصحابة النبي ﷺ والذي عليه أهل السنة والجماعة- هو حبهم بناءً على ما هم عليه، وكذلك إثبات فضائلهم ومنازلهم يتطلب معرفة ما هم عليه في الحقيقة من إيمانٍ وتقوى، وإذا كانت حقائق هذه الأمور لا تُعلم على ما هي عليه إلا من الله تعالى، الذي اختص بعلم سرائر القلوب وتفاضل القلوب في التقوى والإيمان، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
وقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣].
[ ١٩ ]
لذا توقف سلف الأمة في هذه الأمور عند النصوص ولم يتجاوزوها إلى غيرها؛ فسلموا بفضل الله وتوفيقه مما وقع فيه أهل الضلال في هذا الباب من انحراف عن الحق.
وفيما يلي بيان مراتب الصحابة في الفضل عند أهل السنة والجماعة بناءً على ما دلت عليه النصوص:
فأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين-.
ثم يأتي بعدهم في الفضل: من بقي من أصحاب الشورى، ثم مَنْ بقي مِنَ العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدرٍ من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، ثم مَنْ هاجر مِنْ قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا، وكلًّا وعد الله الحسنى (^١).
أما تفضيلهم أبا بكر ثم عمر؛ فلقول النبي ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولم يجعل هذا لغيرهما» (^٣).
_________________
(١) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ص ١٥٩، ١٦٧)، وشرح السنة للبربهاري (ص ٧٥، ٧٦)، وكتاب الاعتقاد لابن أبي يعلى (ص ٤٢، ٤٣)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٤٨)، والباعث الحثيث لابن كثير (ص ١٥٥، ١٥٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٦٠٩) ح (٣٦٦٢)، وابن ماجه (١/ ٣٧) ح (٩٧)، وأحمد في المسند (٣٨/ ٢٨٠) ح (٢٣٢٤٥)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (٣/ ٧٩) ح (٤٤٥١)، وقال محققو المسند: حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٩).
[ ٢٠ ]
وقال: «وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما» (^١).
وعن النبي ﷺ أنه كان في سفرٍ فقال في أمر الناس: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (^٢).
كما أجمعت الأمة على تقديمهما لما ثبت لهما من الفضائل الكثيرة التي شهد لهما بها النبي ﷺ والصحابة من بعده.
قال شيخ الإسلام: «وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر ﵄» (^٣).
وأما تفضيلهم أبا بكر؛ فلما اختص به من الفضائل التي لم يشاركه فيها غيره، منها: ما أخرج الشيخان من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيشِ ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». فقلت: من الرجال؟ قال: «أبوها». قلت: ثم مَن؟ قال: «عمر ابن الخطاب»، فعدَّ رجالًا» (^٤).
وقال ﷺ فيما رواه الشيخان أيضًا: «إنَّ مِنْ أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ مُتخذًا خليلًا غير ربي لاتخذتُ أبا بكرٍ، ولكن أخوة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٠٠).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٢، ٤٧٣) ح (٦٨١).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١٨) (ح ٣٦٦٢)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٥٦) (ح ٢٣٨٤).
[ ٢١ ]
الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُد إلا باب أبي بكر» (^١).
وأما تفضيلهم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان؛ فقد قال الإمام أحمد: «وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ، لم يختلفوا في ذلك، ونذهب إلى حديث ابن عمر: «كنا نعد ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت» (^٢).
وقال علي بن المديني ﵀: «وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يختلفوا في ذلك» (^٣).
والأصل في هذا: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك فلا نفاضل» (^٤).
وقد قدم بعض أهل السنة عليًّا على عثمان في بداية الأمر، فأنكر عليهم جمهور أهل السنة ذلك وخطؤوهم إلا أنهم لم يبدعوهم.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ١٢) (ح ٣٦٥٤)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٥٤) (ح ٢٣٨٢).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩)، وأثر ابن عمر أخرجه الإمام أحمد في المسند (٨/ ٢٤٣) رقم (٤٦٢٦)، وقال المحققون: إسناده صحيحٌ على شرط مسلم.
(٣) المصدر السابق (١/ ١٦٧).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٥٤).
[ ٢٢ ]
روى الخلال عن إسحاق بن إبراهيم، قال: سألت أبا عبد الله عمن قدم عليًّا على عثمان؟ فقال: «هذا رجل سوء، نبدأ بما قال أصحاب النبي ﷺ، ومن فضله النبي ﷺ» (^١).
وعن بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله وسأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان؟ فقال: «ما يعجبني هذا القول. قلت: فيقال إنه مُبتدع؟ قال: أكره أن أبدعه البدعة الشديدة» (١).
والذي آل إليه قول أهل السنة في هذه المسألة: هو تقديم عثمان على عليٍّ ﵄ لتقديم الصحابة له في الخلافة، ولقول ابن مسعود ﵁ حين استخلف عثمان ﵁: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل وأنه على ترتيبهم في الخلافة: «وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قومٌ عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قومٌ عليًّا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف هي مسألة الخلافة» (^٣).
_________________
(١) السنة للخلال (ص ٣٧٨).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٨٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
[ ٢٣ ]
أما تفضيلهم عليًّا بعد الثلاثة؛ فلإجماع أهل السنة على ذلك، ومبايعتهم له بالخلافة بعد عثمان ﵄.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد، على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃» (^١).
أما تفضيلهم من بقي من أصحاب الشورى بعد الخلفاء الراشدين؛ فلأن عمر ﵁ اجتهد في اختيار الأصلح لما عينهم (^٢)؛ ولأنه لم يوجد له معارضٌ من الصحابة فهو بمنزلة الإجماع على فضلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعمر ﵁ إمام وعليه أن يستخلف الأصلح، ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم وهو كما رأى؛ فإنه لم يقل أحدٌ أن غيرهم أحق منهم» (^٣).
وقال: «ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ الذين عينهم عمر لا يوجد أفضل منهم» (^٤).
أما تفضيلهم من بقي من العشرة المبشرين بالجنة بعد الخلفاء الراشدين وأصحاب الشورى؛ فلأن النبي ﷺ شهد لهم بالجنة وعينهم بأسمائهم؛ فدل على فضلهم على غيرهم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٦).
(٢) وممن صرح بتفضيلهم على غيرهم: الإمام أحمد وعلي بن المديني -رحمهما الله-. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩، ١٦٧).
(٣) منهاج السنة (٦/ ١٤١).
(٤) المصدر السابق (٦/ ١٥٠).
[ ٢٤ ]
قال الإمام المزني بعد ذكر فضل الخلفاء الراشدين وتقديمهم على غيرهم: «ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة» (^١).
وقال الإمام ابن بطة: «ويشهد للعشرة بالجنة، لا يتقدمهم أحدٌ في الفضل والخير» (^٢).
وأما تفضيلهم أهل بدر بعد من تقدم ذكرهم؛ فلعموم الأدلة في فضلهم، وهي مشهورة في كتب السنة.
روى اللالكائي عن الإمام أحمد أنه قال: «… ثم بعد أصحاب الشورى أهل بدرٍ من المهاجرين، ثم أهل بدرٍ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأولًا» (^٣).
أما تفضيلهم من أسلم قبل الفتح وهو فتح الحديبية على من أسلم بعده؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
ثم يأتي بعد هؤلاء في الفضل: سائر الصحابة؛ فهم أفضل ممن بعدهم على الإطلاق.
قال الإمام أحمد بعد قوله السابق: «ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بُعث فيهم، كل من صحبه سنةً أو شهرًا أو يومًا أو
_________________
(١) شرح السنة للمزني (ص ٨٦).
(٢) الإبانة الصغرى لابن بطة (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٩ - ١٦٠).
[ ٢٥ ]
ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه، وسمع منه ونظر إليه نظرةً، وأدناهم صحبةً هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال» (^١).
وروى الخلال عن الفضل بن جعفر أنه سأل الإمام أحمد: «أيش تقول في حديث قبيصة عن عباد السماك عن سفيان: أئمة العدل خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز؟ فقال: هذا باطل -يعني: ما ادعى على سفيان-، ثم قال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحدٌ، أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحدٌ» (^٢).
وروى الخلال عن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: «فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله» (^٣).
وبهذا يعلم خطأ من فضل واحدًا من التابعين على واحدٍ من الصحابة؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ لا يدانيهم أحدٌ؛ لما اختصهم الله به من الصحبة لنبيه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٠)، وانظر كلامًا بنحوه لعلي بن المديني في المصدر نفسه (١/ ١٦٧).
(٢) السنة (١/ ٤٣٦).
(٣) السنة (ص ٤٣٧).
[ ٢٦ ]
المبحث الثالث:
وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة
[ ٢٧ ]