النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي لأهل البيت يكون شاملًا للخوارج الذين يكفرون بعضهم ويفسقون البعض الآخر، وللنواصب الذين يفسقونهم وينتقصونهم، ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت.
أما شموله للخوارج والنواصب؛ فواضح.
وأما شموله لمدعي الولاية لأهل البيت من الرافضة وغيرهم؛ فبالغلو فيهم، والكذب عليهم، وخذلانهم لهم، في حياتهم في مواطن عديدة.
أما الغلو فيهم؛ فهذا من أعظم أذيتهم؛ لأنهم لا يرضون غلو الرافضة فيهم، بل يتبرؤون منه، وممن قال به، ولطالما اشتكى أئمة أهل البيت من غلو الرافضة فيهم، وأعلنوا البراءة منهم كما نقلت ذلك كتب الرافضة أنفسهم.
روى المجلسي في بحار الأنوار عن علي ﵁ أنه قال: «اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم أبدًا ولا تنصر منهم أحدًا» (^١).
وروى الكشي: «أنه قيل لأبي الحسن: إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا
_________________
(١) بحار الأنوار (٢٥/ ٢٨٤).
[ ٥٩ ]
في رأسي إلا قامت، ثم قال: لا والله، ما هي إلا رواية عن رسول الله ﷺ» (^١).
وروى المجلسي عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) أنه كان يقول: «لعن الله عبد الله بن سبأ؛ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وإن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم» (^٢).
وكانوا -رحمهم الله تعالى- دائمًا يذمون الشيعة، ويصفونهم بأنه شر من اليهود والنصارى لغلوهم فيهم.
روى الكشي عن أبي عبد الله أنه قال: «ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع» (^٣).
وعنه أيضًا أنه قال: «إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا» (^٤).
وكان زين العابدين يقول لهم: «أيها الناس، أحبونا حب الإسلام فما برح حبكم حتى صار عارًا علينا» (^٥).
_________________
(١) رجال الكشي (ص ١٩٢).
(٢) بحار الأنوار (٢٥/ ٢٨٦).
(٣) رجال الكشي (ص ١٩٣).
(٤) المصدر نفسه (ص ١٩٢).
(٥) الصلة بين التصوف والتشيع (ص ١٤٨)، وهذا الأثر أورده الخلال في السنة، وسنده صحيح. السنة للخلال (ص ٥٠٠).
[ ٦٠ ]
أما كذب الشيعة على أهل البيت؛ فهو مشهورٌ، وهو من أذيتهم لهم؛ فإن من أذية الرجل للرجل الكذب عليه، كما هو معلومٌ عند كل العقلاء؛ فكيف بالكذب على أهل بيت النبي ﷺ في دين الله؟!
ولقد تبرأ الأئمة من هؤلاء الكذابين واشتهر ذلك حتى في كتب الشيعة.
جاء عن زين العابدين أنه كان يقول لهم: «ما أكذبكم! وما أجرأكم على الله! نحن من صالحي قومنا وبحسبنا أن نكون من صالحي قومنا» (^١).
وروى الكشي عن جعفر الصادق أنه كان يقول: «قومٌ يزعمون أني لهم إمامٌ، والله ما أنا لهم بإمامٍ، ما لهم -لعنهم الله- كلما سترت سترًا هتكوه، هتك الله ستورهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني» (^٢).
أما خذلان الشيعة لأهل البيت؛ فظاهر في أذيتهم لهم، حيث تركوا مناصرتهم في أصعب الظروف وأحرجها.
فقد خذلوا عليًّا ﵁ مراتٍ كثيرة، وتقاعسوا عن القتال معه في أحرج المواقف التي واجهها، حتى اشتهر سبه لهم، وذمه لهم في خطب كثيرةٍ، منها ما جاء في كتاب: «نهج البلاغة» أنه خطب فيهم مرة بعد خذلهم إياه فقال: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم …
إلى أن قال: أي دارٍ بعد داركم تمنعون، ومع أي إمامٍ بعدي تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن
_________________
(١) الصلة بين التصوف والتشيع (١/ ١٤٨).
(٢) رجال الكشي (ص ١٩٤).
[ ٦١ ]
رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل (^١)، أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم» (^٢).
وخذلوا أيضًا أبناءه من بعده؛ فقد خذلوا الحسين ﵁ أعظم خذلان؛ حيث كتبوا إليه كتبًا عديدةً في توجهه إليهم، فلما قدم عليهم ومعه الأهل والأقارب والأصحاب، تركوه وتقاعدوا عن نصرته وإعانته، بل رجع أكثرهم مع أعدائه خوفًا وطمعًا، وصاروا سببًا في شهادته وشهادة كثيرٍ من أهله، من بينهم الأطفال والنساء (^٣).
وخذلوا أيضًا زيد بن علي بن الحسين؛ فقد تعهدوا بنصرته وإعانته فلما حان القتال أنكروا إمامته لعدم براءته من الخلفاء الثلاثة، فتركوه في أيدي الأعداء، ودخلوا به الكوفة، فاستشهد ﵀ (^٤).
فثبت بهذا دخول من ينتحل محبة أهل البيت وولايتهم من الرافضة، ومن هم على شاكلتهم من فرق الشيعة في دائرة النصب لأهل البيت، وذلك لما تقدم ذكره من الأمثلة المدعمة بأقوال الأئمة من أهل البيت في تأذيهم ممن انتحل ولايتهم من الشيعة، بغلوهم فيهم، وكذبهم عليهم وخذلانهم لهم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) السهم الأفوق المكسور الفوق، والناصل: الذي لا نصل فيه. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد (٢/ ١١٢).
(٢) نهج البلاغة مع شرحه (٢/ ١١٢).
(٣) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ٦٢).
(٤) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية (ص ٦٣).
[ ٦٢ ]