البشارة الثانية: ورد في سفر التثنية ٣٣ / ١ -٢: (١) وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته (٢) فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم) .
وفي طبعة سنة ١٨٤٤م وردت العبارة التالية: (استعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار) .
فمجيء الرب من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى ﵇، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى ﵇؛ لأن ساعير اسم لجبال فلسطين، واسم لقرية من قرى الناصرة، وأما استعلانه من جبل فاران فهو إنزاله القرآن الكريم على محمد ﷺ؛ لأن فاران هي مكة المكرمة، والدليل على ذلك ما ورد في حق إسماعيل ﵇ في سفر التكوين ٢١: (٢٠) وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس (٢١) وسكن في برية فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر) .
وفي التوراة السامرية المطبوعة سنة ١٨٥١م تحديد فاران بأنها في الحجاز، وعبارتها كما يلي: (سكن برية فاران بالحجاز) .
ولا شك إن إسماعيل ﵇ كان مسكنه مكة المكرمة، ولم يظهر فيها نبي بعده غير حفيده محمد ﷺ، فظهر أن المقصود باستعلان الله من جبل فاران هو نزول الوحي على محمد ﷺ في مكة المكرمة، لأنه لا يقال: جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا نزل فيه وحي من الله، وبما أن الوحي نزل بالتوراة في سيناء، ونزل الوحي بالإنجيل في ساعير (فلسطين)، فكذا لا بد أن يكون
[ ٢٢٠ ]
المقصود هنا نزول الوحي بالقرآن الكريم في مكة المكرمة، وأول شيء نزل من القرآن الكريم كان في غار حراء الذي هو في أعلى جبال فاران، وعبارة طبعة سنة ١٨٤٤م: (ومعه ألوف الأطهار)؛ وعبارة بعض النسخ القديمة: (ومعه ألوف الصالحين ومعه كتاب ناري) صريحة في الدلالة على الصحابة الذين نصروا محمدا ﷺ، وعز الدين بمتابعتهم له وجهادهم معه، فإذا فكر العاقل المنصف من هو النبي المبعوث في فاران ومعه ألوف الأطهار والصالحين ومعه كتاب ناري - الذي ما منه سورة إلا وفيها الوعيد بالنار للكافرين والمخالفين له - علم يقينا أن هذا المبشر به هو محمد ﷺ، ولوضوح هذه البشارة في الدلالة عليه وكأنها نص فيه عمد أهل الكتاب إلى حذف عبارة: (ومعه ألوف الأطهار) وعبارة: (ومعه كتاب ناري) من الطبعات الحديثة، فهذه البشارة تدل دلالة صريحة على الأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وتدل على الكتب الثلاثة المنزلة عليهم في هذه المواضع الثلاثة المباركة، وهي موافقة لقوله تعالى في سورة التين آية ١-٣: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] حيث أشار لمواضع بعثة الأنبياء الثلاثة؛ لأن فلسطين يكثر فيها التين والزيتون، لكن لما كان المقصود في القرآن التعظيم، تدرج من الأدنى إلى الأعلى، فرسالة موسى ﵇ أعظم من رسالة عيسى ﵇، ورسالة محمد ﷺ أعظم من رسالتيهما، وكذلك مكة أشرف وأقدس من فلسطين وسيناء، ولما كان المقصود في التوراة الخبر التاريخي فقط ذكرت هذه المواضع الثلاثة مرتبة على حسب زمان بعثة الأنبياء الثلاثة، فشبه بعثة موسى بمجيء الفجر، وشبه بعثة عيسى بشروق الشمس، وشبه بعثة محمد ﷺ بالظهور والاستعلان في كبد السماء الذي هو أوضح من سابقيه، وبه يتم النور على الخلائق ويكتمل، ولم يستعلن دين وكتاب في الأرض ماحيا من ظلمات الشرك والوثنية كالإسلام والقرآن اللذين جاء بهما محمد ﷺ.
[ ٢٢١ ]