البشارة الرابعة: في سياق الحديث من عبادة بني إسرائيل الأوثان ورد في سفر التثنية ٣٢: (هم أغاروني بما ليس إلها. أغاظوني بأباطيلهم. فأنا أغيرهم بما ليس شعبا. بأمة غبية أغيظهم) .
ونصها في طبعة سنة ١٨٤٤ م كما لي: (هم أغاروني بغير إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة وأنا أيضا أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم) .
ويزيد هذه البشارة بيانا النص التالي من سفر إشعياء ٦٥ / ١ -٦، وما كتب بين الأقواس المعقوفة هو من طبعة سنة ١٨٤٤م: (١) أصغيت إلى الذين لم يسألوا. وجدت من الذين لم يطلبوني. قلت ها أنذا لأمة لم تسم (يدعوا) باسمي (٢) بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد (غير مؤمن) سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره (٣) شعب يغيظني بوجهي (يغضبني أمام وجهي) دائما يذبح في الجنات (البساتين) ويبخر على الآجر (ويذبحون على اللبن) (٤) يجلس في القبور ويبيت في المدافن (وفي مساجد الأوثان يرقدون) يأكل لحم الخنزير وفي آنيته مرق لحوم نجسة (٥) يقول: قف عندك (ابعد عني) لا تدن مني لأني أقدس منك (لأنك نجس) هؤلاء دخان في أنفي - رجزي) نار متقدة كل النهار (٦) ها قد كتب أمامي (قدامي) لا أسكت بل أجازي أجازي (أرد وأكافي جزاء) في حضنهم) .
فالمراد بالشعب الجاهل: العرب؛ لأنهم كانوا في غاية الضلالة والجهل، وهم المقصودون بالذين (لم يسألوا ولم يطلبوني ولم يدعوا باسمي)؛ لأنهم كانوا غير واقفين على التوحيد الحقيقي لله، ولا عارفين لصفاته وأسمائه الحسنى، ولا عاملين بالشرائع المستقيمة، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأصنام،
[ ٢٢٤ ]
فكأنهم ما كانوا سائلين عن الله، ولا طالبين له، ولا داعين باسمه، وفي أودية الضلال يهيمون، كما قال تعالى في سورة آل عمران آية ١٦٤: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ومثلها في سورة الجمعة آية ٢ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]
وكان اليهود يحتقرون العرب لكونهم أولاد الأمة هاجر، ولجهلهم بالله وضلالتهم، ويرى اليهود أنفسهم أنهم يمتازون عن العرب بكونهم أولاد الحرة سارة، وفيهم الأنبياء والكتب والتشريع، ولكن بني إسرائيل بقتلهم الأنبياء، وانحرافهم عن التوحيد، وعبادتهم آلهة الأمم الوثنية وتقديم الذبائح لها أغضبوا الله تعالى، فشاء سبحانه أن يغيظهم بنقل النبوة منهم، وباصطفاء العرب الذين هم في نظرهم محقرون وجاهلون، فكانت بعثة النبي محمد ﷺ في هذه الأمة الأمية، وإنزال الكتاب والحكمة عليه لهدايتهم إلى الصراط المستقيم - أكبر درجات الإغاظة لبني إسرائيل.
وإننا إذا تتبعنا تاريخ اليهود وجدنا أن أكثر أمة أغاظت اليهود هي أمة العرب بعد البعثة المحمدية؛ لأنه وإن كان الفرس والروم قد دمروا مملكة اليهود في فلسطين وسبوهم أكثر من مرة، إلا أنهم لم يظهر فيهم كتاب ونبوة تقابل نبوة موسى وكتابه، تكون سببا لغيظ اليهود وحقدهم وغيرتهم، أما أمة محمد ﷺ فقد سبت اليهود وأذلتهم، وأورثها الله الكتاب والنبوة بعد انقطاعها في بني إسرائيل،
[ ٢٢٥ ]
حتى نافق اليهود للعرب وتملقوهم وخافوهم، ولا شك أن في هذا غاية الإغاظة والإغارة لبني إسرائيل.
ومن فسر هذه البشارة بنبوة المسيح ﵇ فلا يلتفت إلى تفسيره؛ لأن المسيح من بني إسرائيل وفيهم أرسل، ولا يغار الإنسان من بنيه، لكنه قد تحصل له الغيرة من بني إخوته وبني أعمامه، وبخاصة إذا كانوا في نظره محتقرين، ثم إن وصف الجهالة والأمية لم يكن يصدق على أية أمة إلى نهاية القرن السادس الميلادي إلا على العرب؛ لأن القراءة والكتابة وعلوما أخرى كانت معروفة في أمم ذلك الزمان ماعدا الأمة العربية، فكأن هذه البشارة نص فيهم وفي النبي المبعوث منهم محمد ﷺ.
والبشارات التي في كتب أهل الكتاب كثيرة، بعضها بشارة بمحمد ﷺ، وبعضها فيها إشارة لأمته، أو إشارة للوحي المنزل عليه، أو إشارة لجهاده، أو إشارة للتسبيح والأذان، أو إشارة لمكة المكرمة، أو إشارة لاتساع رقعة الإسلام، وبعض البشارات أوردها المسيح ﵇ بأمثال مضروبة، كما نقلتها الأناجيل.
[ ٢٢٦ ]