٢ - التحريف في مدة أعمار الأكابر بعد الطوفان: وردت مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم في سفر التكوين ١١ / ١٠ -٢٦، وهي الفقرات التي وردت فيها مدة أعمار الأكابر الذين بين نوح وإبراهيم ﵉، ومدة هذا الزمان على حسب نسخة التوراة العبرانية (٢٩٢) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة السامرية (٩٤٢) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة اليونانية (١٠٧٢) سنة، ويلاحظ فرق كبير في هذه المدة بين النسخ الثلاث بحيث لا تمكن المطابقة بينها. وقد اتفقت النسخ الثلاث على أن نوحا عاش بعد الطوفان (٣٥٠) سنة (سفر التكوين ٩ / ٢٨) .
فإذا طرحنا من حياة نوح بعد الطوفان ٣٥٠-٢٩٢ مدة الزمان من الطوفان إلى ولادة إبراهيم =٥٨ سنة، فيكون إبراهيم قد عاش ٥٨ سنة في حياة نوح على حسب التوراة العبرانية، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه النسختان السامرية واليونانية، فعلى حسب التوراة السامرية ٩٤٢-٣٥٠= ٥٩٢، أي ولد إبراهيم بعد موت نوح بـ ٥٩٢ سنة.
وعلى حسب التوراة اليونانية ١٠٧٢-٣٥٠= ٧٢٢، أي ولد إبراهيم بعد
[ ٦٤ ]
موت نوح بـ ٧٢٢ سنة.
ولأجل هذا الاختلاف الفاحش بين النسخ الثلاث فإن المؤرخ يوسيفس اليهودي لم يعتمد على نسخة من النسخ المذكورة، ورجح أن مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم (٩٩٣) سنة.
وقد نقل المفسران هنري وإسكات في تفسيرهما قول أكستاين: إن اليهود في سنة ١٣٠ م قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين هم من قبل زمن الطوفان وبعده؛ لتصير الترجمة اليونانية غير معتبرة، ولعناد النصارى الذين كانوا آنذاك يقدمون النسخة اليونانية على النسخة العبرانية.
وذكر هورن في تفسيره أن المحقق هيلز أثبت بالأدلة القوية تحريف النسخة العبرانية، وأن كنى كات أثبت أن اليهود حرفوا نسختهم قصدا.
فانظر أن الملجأ الوحيد الذي لجأ إليه المفسرون والمحققون هو الاعتراف بالتحريف القصدي في التواريخ بالزيادة فيها أحيانا وبالنقص منها أحيانا أخرى بدافع التعصب والهوى.