القسم الثاني
بيان بعض الأغلاط وهي غير الاختلافات السابقة، وذلك لأن الاختلافات تستخرج بالمقابلة بين النسخ وتراجمها وأصحاحاتها، أما الأغلاط فتعرف بعدم مطابقتها للواقع، أو للعقل، أو للعرف، أو للتاريخ، أو لعلم الرياضيات، أو لأي علم آخر حسب أقوال المحققين، كما سترى.
١ - الغلط في مدة إقامة بني إسرائيل في مصر: ورد في سفر الخروج ١٢ / ٤٠ -٤١: (٤٠) وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة (٤١) وكان عند نهاية أربع مائة وثلاثين سنة في ذلك اليوم عينه أن جميع أجناد الرب خرجت من أرض مصر) .
كنعان وأرض مصر فكانت أربع مئة وثلاثين (٤٣٠) سنة؛ لأن الزمان من دخول إبراهيم ﵇ أرض كنعان (فلسطين) إلى ولادة ابنه إسحاق ﵇ (٢٥) سنة، ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب ﵉ (٦٠) سنة، وكان عمر يعقوب ﵇ عندما دخل أرض مصر (١٣٠) سنة، فيكون مجموع السنوات من دخول إبراهيم ﵇ أرض كنعان إلى دخول حفيده يعقوب ﵇ أرض مصر مائتين وخمس عشرة سنة.
٢٥ - + ٦٠+ ١٣٠ = ٢١٥ سنة.
وكانت مدة إقامة بني إسرائيل في أرض مصر منذ دخلها يعقوب عليه
[ ٥٠ ]
السلام إلى خروجهم مع موسى ﵇ مائتين وخمس عشرة (٢١٥) سنة أيضا، فيكون مجموع الإقامتين في أرض كنعان وأرض مصر أربع مئة وثلاثين (٤٣٠) سنة، وقد أقر علماء أهل الكتاب من المفسرين والمؤرخين والمحققين بهذا الغلط، وقالوا: إن عبارة نسخة التوراة السامرية التي تجمع بين الإقامتين صحيحة، وتزيل الغلط الواقع في غيرها.
ونص فقرة سفر الخروج ١٢ / ٤٠ في التوراة السامرية كما يلي: (وسكنى بني إسرائيل وآبائهم ما سكنوا في أرض كنعان وفي أرض مصر ثلاثين سنة وأربع مائة سنة) . ونصها في التوراة اليونانية كما يلي: (فكان جميع ما سكن بنو إسرائيل وآباؤهم وأجدادهم في أرض كنعان وأرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة) .
وهذا ما ذهب إليه صاحب الكتاب المعتمد عند محققي النصارى والمسمى: (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين)، فقد ذكر أن الزمان من إقامة يعقوب في مصر إلى ولادة المسيح (١٧٠٦) سنوات، ومن عبور بني إسرائيل البحر وغرق فرعون إلى ولادة المسيح (١٤٩١) سنة، فإذا طرحنا ١٧٠٦- ١٤٩١= ٢١٥ سنة، هي مدة إقامة بني إسرائيل في مصر من دخول يعقوب إليها إلى خروج موسى منها وغرق فرعون، فإذا عرفنا أن يعقوب ﵇ هو الأب الرابع لموسى ﵇ (لأنه موسى بن عمران بن قهات بن لاوي بن يعقوب) حصل اليقين والجزم بأن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر يستحيل أن تكون أكثر من (٢١٥) سنة، وهذه هي المدة التي أجمع عليها المؤرخون والمفسرون والمحققون من علماء أهل الكتاب، وغلطوا ما وقع في النسخة العبرانية من أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر وحدها (٤٣٠) سنة،
[ ٥١ ]
ولذلك قال آدم كلارك في تفسيره: إن الكل متفقون على أن مضمون ما جاء في النسخة العبرانية في غاية الإشكال، وعلى أن السامرية في حق أسفار موسى الخمسة أصح من غيرها، وعلى أن التواريخ تؤيد ما جاء في السامرية.
وقال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن عبارة السامرية صادقة وتزيل كل مشكل وقع في المتن.
فظهر أن علماء أهل الكتاب لا توجيه عندهم لعبارة سفر الخروج ١٢ / ٤٠ التي في النسخة العبرانية سوى الاعتراف بأنها غلط.