المسلك الرابع أنه ﷺ ظهر بين قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم، فجاءهم بالكتاب المنير والحكمة الباهرة، وحثهم على الإيمان والعمل الصالح، وقام مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه مخالفا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلل آراءهم، وسفه أحلامهم، وأبطل مللهم، وهدم دولهم، وظهر دينه على سائر الأديان في مدة قليلة شرقا وغربا، وزاد ظهورهم على مر الأزمان، وأعداؤه مع تنوعهم وكثرة عددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم، لم يقدروا على إطفاء نور دينه، ولا على طمس آثار مذهبه، فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي؟!
[ ٢٠٧ ]
وكتب أهل الكتاب نفسها تشهد بصدق محمد ﷺ، ففي سفر المزامير ١ / ٦: (لأن الرب يعلم طريق الأبرار. أما طريق الأشرار فتهلك) .
وفي المزمور ٥ / ٦: (تهلك المتكلمين بالكذب. رجل الدماء والغش يكرهه الرب) .
وفي المزمور ٣٤ / ١٦: (وجه الرب ضد عاملي الشر ليقطع من الأرض ذكرهم) .
وفي المزمور ٣٧ / ١٧ و٢٠: (١٧) لأن سواعد الأشرار تنكسر وعاضد الصديقين الرب (٢٠) لأن الأشرار يهلكون وأعداء الرب كبهاء المراعي. فنوا. كالدخان فنوا) .
وفي سفر أعمال الرسل ٥ / ٣٥ -٣٩ كلام غمالائيل كما يلي: (٣٥) ثم قال لهم: أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس في ما أنتم مزمعون أن تفعلوا (٣٦) لأنه قبل هذه الأيام قام ثوادس قائلا عن نفسه إنه شيء. الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة. الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء (٣٧) بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب وأزاغ وراءه شعبا غفيرا. فذاك أيضا هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا (٣٨) والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم. لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض (٣٩) وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه. لئلا توجدوا محاربين لله أيضا) .
فعلى حسب نص هذه الفقرات لو كان محمد ﷺ متكلما بالكذب على الله ولم يكن نبيا صادقا لأهلكه الرب، ولقطع من الأرض ذكره، ولكسر
[ ٢٠٨ ]
سواعده، ولأفناه كالدخان، ولبدده وأتباعه وشتتهم، ولنقض قوله وعمله، ولكن الله تعالى لم يفعل شيئا من ذلك، بل مد في الأرض ذكره، وعضده ونصره، وصدق قوله وعمله، فثبت بما لا يدع مجالا للشك صدق محمد ﷺ ونبوته ورسالته، وثبت أن اليهود والنصارى المكذبين له محاربون لله ورسوله، وقد قال الله تعالى في سورة الشعراء آية ٢٢٧ ٣٠: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وقال الله تعالى في سورة الصف آية ٨: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]