وفيما يلي بعض الأمثلة على وجود الحكم الناسخ في شريعة نبي سابق، وبعض هذه الأمثلة يكون إيرادها من قبيل الإلزام فقط:
الزواج بالأخت كان جائزا في شريعة آدم ﵇، وقد تزوج أولاده بأخواتهم، ثم نسخ وصار محرما في شريعة موسى ﵇:
ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٨ / ٩: (عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها) .
وفي سفر الأحبار (اللاويين) ٢٠ / ١٧: (وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت عورته فذلك عار. يقطعان أمام أعين بني
[ ١١٠ ]
شعبهما، قد كشف عورة أخته. يحمل ذنبه) .
وفي سفر التثنية ٢٧ / ٢٢: (ملعون من يضطجع مع أخته بنت أبيه أو بنت أمه) .
فلو لم يكن الزواج بالأخت في شريعة آدم جائزا، للزم من هذه النصوص أن يكون أولاد آدم كلهم زناة وواجبي القتل وملعونين، والصواب أنه كان جائزا، ثم نسخ وحرم في شريعة موسى ﵇.
جميع الحيوانات كانت حلالا في شريعة نوح:
ففي سفر التكوين٩ / ٣: (كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع) .
فجميع الحيوانات في شريعة نوح ﵇ كانت حلالا كالبقولات، ونسخت شريعة موسى حلية بعضها فصارت حراما، كما في سفر الأحبار (اللاويين) ١١ / ٤ -٨، وسفر التثنية ١٤ / ٧ -٨، وفيما يلي نص فقرتي سفر التثنية: (٧) إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف المنقسم. الجمل والأرنب والوبر لأنها تجتر لكنها لا تشق ظلفا فهي نجسة لكم (٨) والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحومها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا) .
الجمع بين الأختين كان جائزا في شريعة يعقوب ﵇، وقد جمع يعقوب بين الأختين (ليئة وراحيل) كما في سفر التكوين ٢٩ / ١٥ -٣٥، ثم نسخت شريعة موسى ﵇ حليته، وصار الجمع بين الأٍختين حراما، ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٨ / ١٨: (ولا تأخذ امرأة على أختها
[ ١١١ ]
للضرر لتكشف عورتها معها في حياتها) .
فلو لم يكن هذا الجمع بين الأختين جائزا في شريعة يعقوب يلزم منه أن يكون أولاده أولاد الزنا والعياذ بالله، وأكثر أنبياء بني إسرائيل من ذرية أولاده.
٤ - الزواج بالمطلقة: في شريعة موسى ﵇ يجوز أن يطلق الرجل امرأته لأي سبب، وبعد خروجها من بيته يجوز لأي رجل آخر أن يتزوجها، كما ورد في سفر التثنية ٢٤ / ١ -٤، وفي شريعة عيسى ﵇ لا يجوز الطلاق إلا بسبب الزنا، ولا يجوز لرجل آخر أن يتزوج هذه المطلقة، والزواج بالمطلقة بمنزلة الزنا، ففي إنجيل متى ٥ / ٣١ -٣٢: (٣١) وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق (٣٢) وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني) .
وفي إنجيل متى ١٩ / ٨ -٩ جواب عيسى للفريسيين: (٨) قال لهم إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا (٩) وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني) .
فثبت من هذا النص أن النسخ وقع مرتين، ويفهم ذلك من الفقرة الثامنة، أي كان الطلاق قبل موسى حراما، ثم نسخت حرمته وأبيح في شريعة موسى، ثم نسخت الإباحة وصار حراما في شريعة عيسى، بل هو بمنزلة الزنا.
- نسخ جميع أحكام التوراة:
توراة موسى ﵇ فيها جميع أحكام شريعة بني إسرائيل، وكل
[ ١١٢ ]
أنبيائهم مأمورون بالعمل بأحكامها، ومنها أحكام الحلال والحرام من الحيوانات، فيما يحل أكله أو يحرم منها، وعيسى ﵇ من بني إسرائيل، وتابع لشريعة موسى ﵇، وليس بناسخ لها، فقد ورد على لسانه كما في إنجيل متى ٥ / ١٧ -١٨: (١٧) لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل (١٨) فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل) .
وقد تمسك الدكتور القسيس فندر بهاتين الفقرتين في الصفحة (٢٤) من كتابه (ميزان الحق) على أن أحكام التوراة لا تنسخ، ونفى أن يكون المسيح قد نسخ شيئا من أحكام التوراة؛ لأنه ما جاء لينقضها بل ليكملها.
ولكن جميع المحرمات في التوراة أصبحت حلالا بفتوى بولس، ولا يوجد في شريعته شيء حرام إلا للنجسين، فالأشياء الطاهرة هي للنجسين نجسة، والأشياء النجسة هي للطاهرين طاهرة، وهذه من أعجب الفتاوى، ففي رسالة بولس إلى أهل رومية ١٤ / ١٤: (إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس) .
وفي رسالة بولس إلى تيطس ١ / ١٥: (كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم) .
ويفهم من النصين السابقين أن موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى ﵇ وأتباعهم لم يكونوا طاهرين، فلم تحصل لهم هذه الإباحة
[ ١١٣ ]
العامة لجميع المحرمات، ولم يستطع عيسى ﵇ أن ينسخ شريعة موسى، ولما كان أتباع بولس طاهرين حصلت لهم هذه الإباحة العامة لجميع المحرمات والمطعومات النجسة، وصار كل شيء طاهرا وحلالا لهم، واستطاع رئيسهم بولس أن ينسخ شريعة موسى كلها، واجتهد كثيرا في إشاعة حكم الإباحة العامة، وفي إقناع أتباعه بأن أحكام التوراة كلها صارت منسوخة، ولذلك كتب إلى تيموثاوس في رسالته الأولى ١ / ١ -٧: (١) إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحا مضلة وتعاليم شياطين (٣) وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعار في الحق (٤) لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر (٥) لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة (٦) إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادما صالحا ليسوع المسيح متربيا بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته (٧) وأما الخرافات الدنسة العجائزية فارفضها) .
- نسخ الأعياد الإسرائيلية والسبت:
وردت أحكام الأعياد والسبت مفصلة في سفر الأحبار (اللاويين) ٢٣ / ١ -٤٤، وورد في الفقرات ١٤ و٢١ و٣١ و٤١ أنها فريضة دهرية في جميع أجيال بني إسرائيل وفي جميع مساكنهم.
وكان تعظيم السبت حكما أبديا في شريعة موسى، وكل من عمل فيه عملا يقتل، وتكرر تعظيم السبت في مواضع من كتب العهد العتيق منها: سفر التكوين ٢ / ٢ -٣، وسفر الخروج ٢٠ / ٨ -١١، و٢٣ / ١٢، و٣٤، وسفر الأحبار (اللاويين) ١٩ / ٣، و٢٣ / ٣، وسفر التثنية ٥ / ١٢ -١٥،
[ ١١٤ ]
سفر إرميا ١٧ / ١٩ -٢٧، وسفر إشعياء ٥٦ / ١ -٨، و٥٨ / ١٣ -١٤، وسفر نحميا ٩ / ١٤، وسفر حزقيال ٢٠ / ١٢ -٢٤.
وأما قتل كل من عمل عملا يوم السبت فقد ورد في سفر الخروج ٣١ / ١٢ -١٧، و٣٥ / ١ -٣، وفي زمان موسى ﵇ وجدوا رجلا يحتطب يوم السبت فأخرجوه خارج المحلة ورجموه بالحجارة فمات، كما ورد في سفر العدد ١٥ / ٣٢ -٣٦.
وقد نسخ بولس جميع أحكام الأعياد بما فيها حكم تعظيم السبت، فقال في رسالته إلى أهل كولوسي ٢ / ١٦: (فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت) .
ونقل في تفسير دوالي ورجردمينت عن اثنين من العلماء المفسرين قولهما:
كانت الأعياد في اليهود على ثلاثة أقسام: في كل سنة سنة، وفي كل شهر شهر، وفي كل أسبوع أسبوع، فنسخت هذه الأعياد كلها، بل ونسخ يوم السبت أيضا، وأقيم سبت النصارى مقامه، أي يوم الأحد بدل يوم السبت.
- نسخ حكم الختان:
حكم الختان كان في شريعة إبراهيم ﵇ حكما أبديا كما هو مصرح به في سفر التكوين ١٧ / ٩ -١٤، وأكتفي بنقل بعض الفقرات:
(١٢) ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم (١٣) فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا) .
وبقي هذا الحكم مستمرا في أولاد إسماعيل وإسحاق ﵉، وبقي كذلك في شريعة موسى ﵇، ففي سفر الأحبار (اللاويين) ١٢ / ٣ بخصوص المولود الذكر: (وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته) .
[ ١١٥ ]
وقد ختن عيسى ﵇، ففي إنجيل لوقا ٢: (ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع) .
وفي عبادة النصارى إلى هذا الحين صلاة معينة يؤدونها في يوم ختان عيسى تذكرة لهذا اليوم، وبقي حكم الختان في عهده ﵇ ولم ينسخه، ولكن بولس شدد تشديدا بليغا في نسخ هذا الحكم كما يظهر من رسالته إلى أهل رومية ٢ / ٢٥ -٢٩، ورسالته إلى أهل غلاطية ٢ / ٣ -٥، و٥ / ١ -٦، و٦ / ١١ -١٦، ورسالته إلى أهل فيلبي ٣ / ٣، ورسالته إلى أهل كولوسي ٢ / ١١، وأكتفي بنقل فقرتين من رسالته إلى أهل غلاطية ٥ / ٢ و٦: (٢) ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا (٦) لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة) .
والنصارى تركوا هذا الحكم الذي هو حكم أبدي ولم ينقضه عيسى ﵇، وصدقوا أن بولس نسخه لهم.
٨ - قيمة التوراة في نظر بولس:
ورد قول بولس في الرسالة إلى العبرانيين ٧ / ١٨: (فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها) .
ونص هذه الفقرة في طبعتي سنة ١٨٢٥م و١٨٢٦ م كما يلي: (لأن نسخ ما تقدم من الحكم قد عرض لما فيه من الضعف وعدم الفائدة) .
ونص هذه الفقرة أيضا في طبعات سنة ١٦٧١م و١٨٢٣م و١٨٤٤م كما يلي: (وإنما كان رذالة الوصية الأولى لضعفها وأنه لم يكن فيها منفعة) .
ونصها في طبعة سنة ١٨٨٢م كما يلي: (إذن نرفض الوصية السابقة لضعفها
[ ١١٦ ]
وعدم نفعها) .
وفي الرسالة العبرانية ٨ / ٧ و١٣: (٧) فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان فإذ قال جديدا عتق الأول. وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال) .
ونص هاتين الفقرتين في طبعتي سنة ١٨٢٣م و١٨٤٤م كما يلي: (٧) ولو أن الأول كان بلا لوم لم يطلب للثاني موضع (١٣) وإذا قال جديدا فعتق الأول والذي عتق وشاخ فهو قريب من الفساد) .
ونصهما في طبعتي سنة ١٨٢٥م و١٨٢٦م كما يلي: (٧) فلو كان العهد الأول غير معترض عليه لم يوجد للثاني موضع (١٣) فبقوله عهدا جديدا صير الأول عتيقا والشيء العتيق والبالي قريب من الفناء) .
وفي الرسالة إلى العبرانيين ١٠ / ٩: (ينزع الأول لكي يثبت الثاني) .
ففي الفقرات السابقة أطلق بولس على التوراة أنها ضعيفة وعديمة النفع وعديمة الفائدة ورذيلة ومعابة وعتيقة وشاخت وقريبة من الاضمحلال ومرفوضة وملومة وقريبة من الفساد ومعترض عليها وبالية وقريبة من الفناء ومنزوعة ومنسوخة.
نقل في تفسير دوالي ورجردمينت قول بايل: هذا ظاهر جدا أن الله تعالى يريد أن ينسخ العتيق الأنقص بالرسالة الجديدة الحسنة، فلذلك يرفع المذهب الرسومي اليهودي ويقوم المذهب النصراني مقامه، وفيه إشعار بكون ذبائح
[ ١١٧ ]
اليهود غير كافية، ولذا تحمل المسيح على نفسه الموت ليجبر نقصانها، ونسخ بفعل أحدهما استعمال الآخر.
فظهر من الأمثلة السابقة ما يلي:
أن وجود بعض الأحكام المنسوخة في شرائع سابقة والأحكام الناسخة في شرائع لاحقة ليس مختصا بشريعة الإسلام، بل وجد في الشرائع السابقة أيضا.
أن جميع أحكام التوراة العملية أبدية كانت أو غير أبدية وجميع الفرائض والمحرمات نسخها بولس حسب ما ورد في رسائله، وجعل أتباعه غير مطالبين بها.
أن لفظ النسخ أيضا وجد في كلام بولس بالنسبة إلى التوراة وأحكامها، وورد في كلام المفسرين والمحققين منهم.
أن بولس ادعى أن الشيء العتيق البالي قريب من الفناء والفساد وضعيف وعديم النفع وعديم الفائدة ورذيل ومعاب ومضمحل ومرفوض وملوم ومعترض عليه ومنزوع ومنسوخ، إذن لا استبعاد في نسخ شريعة أهل الكتاب بشريعة الإسلام، بل هذا ضروري على وفق كلام بولس؛ لأن شريعة أهل الكتاب تعد قديمة بالنسبة إلى شريعة الإسلام الجديدة، كيف لا يكون ذلك ضروريا ورسولهم بولس والمفسرون أطلقوا على التوراة ألفاظا غير ملائمة، مع أنهم يقولون إنها كلام الله؟!
إذن نسخ أحكام التوراة والإنجيل بأحكام القرآن أمر لا شك فيه، وثبت نظائره فيمن سبقنا، وإذا نسخت أحكامهما نسخ العمل بهما بالعمل بالقرآن
[ ١١٨ ]
الكريم.