حال كتاب يشوع (يوشع بن نون): بعد أن عرفنا حال التوراة التي هي أساس ملة بني إسرائيل فلنعرف حال كتاب يوشع الذي هو في المنزلة الثانية بعد التوراة، فإن علماء أهل الكتاب لم يظهر لهم إلى الآن بطريق اليقين اسم مصنفه ولا زمان تصنيفه، وافترقوا فيه على خمسة أقوال:
١ - بعضهم قال: إنه تصنيف يوشع بن نون فتى موسى ﵇.
٢ - وبعضهم قال: إنه تصنيف ألعازار بن هارون ﵇.
٣ - وبعضهم قال: إنه تصنيف فينحاص بن ألعازار بن هارون ﵇.
٤ - وبعضهم قال: إنه تصنيف صموئيل النبي ﵇.
٥ - وبعضهم قال: إنه تصنيف إرميا النبي ﵇.
وبين يوشع وإرميا ﵉ أكثر من ثمانية قرون. فهذا الاختلاف الفاحش دليل كامل على انعدام إسناد هذا الكتاب عندهم، وأنهم يقولون بالظن، وهذا الظن هو السند عندهم.
[ ٢٤ ]
وتوجد في كتاب يوشع فقرات كثيرة لا يمكن أن تكون من كلام يوشع قطعا، كما توجد فيه فقرات أخرى تدل على أن كاتبه قد يكون معاصرا لداود أو بعده، فمثل هذه الفقرات دليل كامل على أن هذا الكتاب ليس من تصنيف يوشع ﵇.
ويوجد بين التوراة الحالية وبين كتاب يوشع مخالفة صريحة وتناقض في بعض الأحكام، فلو كانت هذه التوراة الحالية من تصنيف موسى ﵇ كما يزعمون أو كان كتاب يوشع من تصنيفه، فلا يتصور أن يخالفها يوشع ويناقضها في بعض الأحكام والمعاملات؛ إذ كيف يغلط يوشع - فتى موسى وخليفته - في معاملات كانت تجري في حضوره؟!
إذا عرفت حال التوراة وحال كتاب يوشع خليفة موسى ﵉ فإن حال بقية كتب العهد القديم ليست بأحسن من حالهما، فالخلاف فيها أشد، بل إن بعض المحققين أنكروا كتبا برمتها من كتب العهد القديم وعدوها حكايات باطلة وقصصا كاذبة؛ لأن القدماء أدخلوا كتبا جعلية كثيرة في الكتب القانونية، وهي في الأصل كانت مردودة ومرفوضة.
وهذا دليل كاف على أن أهل الكتاب لا يجود عندهم سند متصل لكتاب من كتبهم، وأنهم يقولون بالظن والتخمين ما يقولون، وأن الكتاب لا يكون إلهاميا بمجرد نسبته إلى شخص ذي إلهام.
[ ٢٥ ]