هذا مذهب عامة العلماء، قال ابنُ المنذر (^٢): "أجمع عوامُّ العلماء على أنّ على من سبَّه القتل، قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق والشافعي. وحُكِيَ عن النعمان: لا يُقتل الذِّمِّي".
وحكى أبو بكر الفارسي (^٣) - من أصحاب الشافعي - إجماعَ المسلمين على قتل من سبَّ النبي - ﷺ -، كما أنَّ حكم من سبَّ غيرَه الجلد.
وهذا الإجماع محمولٌ على إجماع الصدر الأوَّل من التابعين والصحابة - قاله شيخ الإسلام - أو (^٤) أنه أراد إجماعَهم على وجوب قتله إذا كان مسلمًا، وكذلك قَيَّده القاضي عِياض (^٥).
_________________
(١) "الصارم": (٢/ ١٣).
(٢) في "الأوسط": (٢/ ٦٨٢) و"الإشراف": (٢/ ٢٤٤)، و"الإقناع": (٢/ ٥٨٤). وانظر "الإجماع": (ص/ ٧٦) له.
(٣) هو: أحمد بن الحسين بن سهل، أحد أئمة الشافعية ت (٣٥٠)، له مصنفات، منها كتاب "الإجماع" وهذا النقل منه، انظر "فتح الباري": (١٢/ ٢٩٣).
(٤) لم تظهر الهمزة بسبب الرطوبة.
(٥) في: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -": (٢/ ٣٨٦ - مع شرح الملا علي القاري).
[ ٣١ ]
وقال إسحاق بن راهويه: أجمع المسلمون أنّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله، أو دفع شيئًا مما أنزل الله، أو قتل نبيًّا: أنه كافر، وإن كان مُقِرًّا بكلِّ ما أنزله الله.
قال الخطَّابي (^١): "لا أعلم أحدًا اختلف في وجوبِ قتله".
وقال محمد بن سُحْنُون: أجمعَ العلماء أنَّ شاتم الرسول [المتنقِّص له] (^٢) كافر، ومن شكَّ في كفره كَفَر.
وتحريرُ القول: أنَّ السَّابَّ المسلم يُقْتَل بلا خِلافٍ، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان ذِمِّيًّا قُتِل - أيضًا - عند مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، نصَّ عليه أحمد في مواضع متعدِّدة.
نقله (^٣) حنبل وأبو الصقر (^٤) والخلّال وعبد الله وأبو طالب: أنه يُقتل مسلمًا كان أو كافرًا، قيل لأحمد: فيه حديث (^٥)؟ قال: نعم، أحاديث، منها حديث الأعمى الذي قَتَل المرأةَ حين سمعها تشتم النبيَّ - ﷺ - (^٦)، وحديث حُصَين (^٧).
_________________
(١) في "معالم السنن": (٦/ ١٩٩).
(٢) غير بيِّنةٍ في الأصل بسبب الرطوبة، والاستدراك من "الصارم".
(٣) غير واضحة بسبب الرطوبة.
(٤) هو: يحيى بن يزداد الوراق أبو الصقر، ورَّاق الإمام، له مسائل عنه، انظر: "طبقات الحنابلة": (٢/ ٥٤٢).
(٥) في أصله: "أحاديث".
(٦) سيأتي ص/ ٥٣.
(٧) يرويه عن ابن عمر - ﵄ - أنه مرَّ براهبٍ فقيل: إن هذا سبَّ النبي - ﷺ - فقال: لو سمعته لضربتُ عُنقَه، إنا لم نُعْطِهم العهد على أن يسبُّوا نبيَّنا. =
[ ٣٢ ]
قال (^١): ولا يُستتاب، رواه أبو بكر في "الشافي" (^٢)، فلا خلاف عنه أنه يُقتل، وأنه ينتقض عهدُه.
وذكر القاضي (^٣) روايةً في الذِّمِّي: أنه لا ينتقض عهده، وتبعه جماعة من الأصحاب، كالشريف، وابن عقيل، وأبي الخطَّاب، والحُلْواني (^٤)، ذكروا في جميع الأعمال التي فيها غضاضة على [المسلمين وآحادهم في نفسٍ] (^٥) أو مال أو دِيْن، مثل سبِّ الرسول:
_________________
(١) أخرجه مسدَّد في "مسنده - كما في المطالب رقم ٢٠٤٧"، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده - كما في البغية رقم ٥١٠" واللفظ له، والخلَّال في "الجامع رقم ٧٣٢ - أحكام أهل الملل". كلهم من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي عن رجل لم يُسمَّ - وعند الخلال: شيخ - أن ابن عمر به. وفي رواية الحارث: "حصين أن ابن عمر" بدون واسطة. وحصين لم يسمع من ابن عمر، انظر: "تهذيب التهذيب": (٢/ ٣٨١).
(٢) أي: الإمام أحمد.
(٣) هو: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال ت (٣٦٣)، انظر "طبقات الحنابلة": (٣/ ٢١٣). وكتابه "الشافي" في الفقه يقع في ثمانين جزءًا على ما ذكره أبو يعلى فيما نقله الخطيب عنه في "تاريخه": (١٠/ ٤٥٩).
(٤) هو: أبو يعلى ابن الفراء شيخ الحنابلة، وإذا أُطلِق "القاضي" عندهم فهو المراد. وسيرِدُ ذكره كثيرًا.
(٥) الشريف هو: أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي ت (٤٧٠)، وابن عقيل هو: أبو الوفاء صاحب "الفنون" ت (٥١٣)، وأبو الخطاب هو: محفوظ بن أحمد الكَلْوذاني ت (٥١٠)، والحُلْواني هو: محمد بن علي أبو الفتح ت (٥٠٥).
(٦) ما بين المعكوفين هنا وما سيأتي مُتآكل في الأصل، والإكمال من "الصارم": (٢/ ٢٢، ٢٤)، ومكان النقط لم نتبين وجه إكماله.
[ ٣٣ ]
روايتين، مع اتفاقهم على أن المذهبَ انتقاضُه بذلك، [ روايتين].
ثم هؤلاءِ كلُّهم ذكروا أنَّ سابّ الرسول يُقْتل وإن كان ذِمِّيًّا، وأن عهده ينتقض.
قال شيخ الإِسلام: [وهذا أقرب من تلك الطريقة، وعلى الرواية التي تقول: لا ينتقض العهدُ بذلك، فانما ذلك] إذا لم يكن مشروطًا عليهم، فإن كان مشروطًا؛ ففيه وجهان:
أحدهما: [ينتقض، قاله الخِرَقي، وصححه الآمدي.
والثاني: لا ينتـ]ـقض، قاله القاضي.
والذي عليه عامة [المتقدِّمين من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين] إقرار نصوصه على حالها، وقد نصَّ على أن سابَّ الرسول يُقتل وينتقض عهده، وكذا من جسَّ على المسلمين، أو زنى بمسلمةٍ، أو قتل مسلمًا، أو قَطَع الطريقَ، ونصَّ على (^١) أن قَذْفَ المسلم أو سَحْره لا يكون نقضًا للعهد.
قال شيخ الإسلام: وهذا هو الواجبُ تقريرُ نصوصِه، فلا يخرَّج منها شيءٌ، للفرق بين نصوصه (^٢).
_________________
(١) "ونص على" ملحقة في الهامش، ومكان اللحق بعد "أو قتل مسلمًا" وهو سبق قلمٍ إذ عليه يكون قطع الطريق لا ينقض العهد، وهو خلاف ما في أصله.
(٢) النص في "الصارم": (٢/ ٢٥): "وهذا هو الواجب؛ لأن تخريج إحدى المسألتين =
[ ٣٤ ]
وأما الشافعي؛ فالمنصوص عنه أنه ينتقض العهد به، وأنه يُقتل (^١)، وأما أصحابه فذكروا فيما إذا ذَكَر اللهَ أو رسولَه أو كتابَه بسوءٍ: وَجْهَين، ومنهم من فرَّق بين أن يكون مشروطًا أو لا، ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالًا، والمنصور في كتب الخلاف عنه: أَن سبَّ النبي - ﷺ - ينقضُ العهدَ، ويوجبُ القتلَ.
وأما أبو حنيفة وأصحابه؛ فقالوا: لا ينتقض العهد بالسبِّ، ولا يُقتل بذلك لكن يُعَزّر على إظهار المنكرات، ومن أصولهم: أن ما لا قتلَ فيه عندهم، مثل القتل بالمثقَّل، والجِماع في غير القُبُل إذا تكرر، للإمام أن يقتلَ فاعلَه، وله أن يزيد على الحدِّ المقَدَّر إذا رأى المصلحةَ، ويحملوا (^٢) ما جاء عن النبيّ وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم، على أنه رأى المصلحةَ في ذلك، ويسمونه: القتلَ سياسةً.
وحاصله: أن له أن يُعزِّر بالقتل في الجرائم التي تغلَّظت بالتَّكْرَار، وأفتى أكثرهم بقتل مَن أكثر مِن سبِّ الرسول مِن أهل الذِّمة، وإن أسلمَ، قالوا: يُقتل سياسةً.