إذا ثبت أنَّ كلَّ سبًّ تصريحًا أو تعريضًا موجبٌ للقتل، فالذي يجب أن يُعْتَنَى به: الفرق بين السبِّ الذي لا تُقبل منه التوبة والكفر الذي تُقبل منه التوبة، فنقول:
هذا الحكم قد نِيْطَ في الكتاب والسنة باسم أذى الله ورسوله، وفي بعض الأحاديث ذكر الشتم والسبّ، وكذلك ما في ألفاظ الصحابة والفقهاء من ذكر السبّ والشتم، والاسمُ إذا لم يكن له حدٌّ في اللغة، كاسم الأرض والسماء، ولا في الشرع كالصلاة والزكاة والكفر والإيمان، فإنه يُرْجَع في حدِّه إلى العُرْف، كالقَبْض والحِرْز، فيجب أن يُرْجَع في حدِّ الأذى والسبّ والشتم إلى العُرْف، فما عدَّه أهل العُرْف
_________________
(١) = المعاد": (٣/ ٥٧٧)، فمال الحافظ الى شهودهما، ومال ابن القيم إلى عدمه، ولكلٍّ حجَّة ودليل.
(٢) في "السيرة النبوية": (٢/ ٥٣٤).
(٣) وانظر "فتح الباري": (٥/ ٤٤).
(٤) كلمة "فصل" ليست في "الصارم": (٣/ ٩٩٢).
[ ١٠٣ ]
سبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السبّ، وما لم يكن كذلك [وهو كفر]، فهو كفر وليس بسبٍّ، [والمعتبر أن يكون سبًّا وأذًى للنبي - ﷺ - وإن لم يكن سبًّا وأذًى لغيره] (^١)؛ فعلى هذا كلُّ ما لو قيل لغير النبي - ﷺ - أوجبَ تعزيرًا أو حدًّا بوجهٍ من الوجوه؛ فإنه من باب سبِّ النبي - ﷺ - كالقذف واللعن وغيرهما.
وأما ما يختصّ بالقدح في النبوَّة؛ فإن لم يتضمَّن [إلا] مجرَّد (^٢) عدم التصديق بنبوته؛ فهو كفر محضٌ، وإن كان فيه استخفافٌ واستهانةٌ مع عدم التصديق؛ فهو من السبِّ.
وهنا مسائل اجتهاديَّة يتردَّد الفقهاء هل هي من السبِّ أو من الرِّدة المحضة، ثم ما ثبت أنه ليس بسبٍّ؛ فإنْ استسَرَّ به صاحبُه فهو زندقة حكمه حكم الزنديق، وإلا فهو مرتدٌّ محض، واستقصاء الأنواع والفرق بينها له موضعٌ آخر.