هذه المسألة من المسائل العظيمة التي قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفوا فيها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ومن نحا نحوهم، والأدلة على ذلك مستفيضة من الوحيين وكلام العلماء.
أولًا: من القرآن
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).
ولقد أمر الله -﷾- بتقواه بقدر الاستطاعه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٢).
_________________
(١) سورة البقرة، آية ٢٨٦.
(٢) سورة التغابن، آية ١٦.
[ ٣٦ ]
وحرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هذه المسألة قائلًا: "دلَّت هذه النصوص على أنه لايكلِّف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلَّت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله -﷾- ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله -﷾- إياه، وهومطيع لله -﷾- مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البته خلافًا للجهمية المجبرة" (^١).
ثانيًا: من السُّنَّة
حديث حذيفة - ﵁ - فيما رواه عن النبي - ﷺ - أنه قال: إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يومٍ حارٍّ- أو راح- (^٢) فجمعه الله -﷾- فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) يوم راح: أي ذو ريح، قيل يوم راح، وليلة راحة: إذا اشتدت الريح فيهما، النهاية، ابن الأثير ٢/ ٢٣٧.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل ٢/ ٤١٩.
[ ٣٧ ]
قال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله" (^١).
وكذلك خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ - ﵄ - أنها قالت: "جاء النبي - ﷺ - يدخل حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك منِّي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدفِّ ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين" (^٢).
فعذر النبي - ﷺ - الجارية التي نسبت إليه علم الغيب.
وهذا لا يعني عدم التنبيه على أخطاء العلماء ومناصحتهم، بل يكون النصح من عالم متمكّن في العلم وقصد ذلك ومراده بيان الحق مع احترام المخالف، ويكون الكلام منصبًّا على القول دون القائل، فإنه لا يتعرض له بشيءٍ إلا إذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم.
_________________
(١) فتح الباري ٦/ ٥٢٢.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدُّف في النكاح والوليمة ٣/ ٣٧٤.
[ ٣٨ ]