أدلة التسمية بأهل السُّنَّة والجماعة
أما تسمية أهل السُّنَّة والجماعة بهذا الاسم فهي ثابتةٌ بالنصوص الشرعية.
أولًا: من القرآن
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^١).
قال الشيخ السعدي - ﵀ -: هذه الآية فيها الحثُّ على التمسُّك بحبل الله الذي أوصله إليهم، وجعله السبب بينهم وبينه وهو دينه وكتابه، والاجتماع على ذلك وعدم التفرُّق، وأن يستديموا ذلك إلى الممات (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (^٣).
قال الشيخ السعدي - ﵀ -: "دلَّت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف وينهى عن التفرُّق والاختلاف في أهل الدين وفي سائر مسائله الأصوليَّة والفروعيَّة" (^٤).
_________________
(١) سورة آل عمران، آية ١٠٣.
(٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٣١.
(٣) سورة الأنعام، آية ١٥٩.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ١/ ٥٢٨.
[ ٢١ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).
وجه دلالة الآية أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول - ﷺ - وبين مخالفة سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور ومتابعة غير سبيلهم تقع بمخالفة أقوالهم أو أفعالهم (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (^٣).
قال الشيخ السعدي - ﵀ - في بيان الاستدلال بالآية: "وهم المؤمنون بالله وملائكته ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه، واتِّباع سبيلهم أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله ﷿" (^٤).
ثانيًا: من السُّنَّة
عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة وهي: الجماعة
_________________
(١) سورة النساء، آية ١١٥.
(٢) أنوار التنزيل، للبيضاوي ١/ ٢٤٣ - . ٢٤٤.
(٣) سورة لقمان، آية ١٥.
(٤) تفسير الكريم الرحمن ٣/ ١٣٥١.
[ ٢٢ ]
وإنه سيخرج في أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ (^١) بصاحبه، لايبقى منه عرق ولا مفصل إلادخله" (^٢).
وفي هذا تشبَّيه من النبي - ﷺ - لحال الزائغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وذهابها في كلِّ وادٍ مُرْدي، وفي سريان تلك الضلالة منهم إلى الغير يدعونهم إليها، ثم تنفرهم من العلم، وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلًا -بحال صاحب الكَلَب، وسريان تلك العلَّة في عروقه ومفاصله، وحصول شبه الجنون منه ثم تعديه إلى الغير- بعقره إياه، وتنفره من الماء، وامتناعه عنه حتى يهلك عطشًا (^٣).
وقال - ﷺ - لحذيفة بن اليمان - ﵁ -: «تلزمُ جمَاعةَ المسلمين وإمامَهم» (^٤).
_________________
(١) داءٌ يعرض للإنسان من عضِّ الكَلْبِ الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون، فلا يعض أحدًا إلا كُلب وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شراب الماء حتى يموت عطشًا. ينظر: النهاية ابن الأثير، ٤/ ١٩٥.
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٠٢، وأبو داود، ٥/ ٥ - ٦، والحديث صحيح بشواهده صححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي، ينظر: المستدرك مع التلخيص ١/ ١٢٨، وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السُّنَّة: "حديثٌ صحيحٌ بما قبله وما بعده" انظر: السُّنَّة، لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة.
(٣) ينظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة ٢/ ٦٤١.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النُّبوَّة في الإسلام ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
[ ٢٣ ]
وقوله: «تلزم جماعة المسلمين»، أُخذ منه لفظ: أهل السُّنَّة والجماعة، وذلك لكون الحق في جماعة المسلمين في الأغلب (^١).
وفي الصحيحين عن أنس - ﵁ - في قصة الثلاثة الذين جاءوا بيوت النبي - ﷺ - فقال أحدهم: أُصلي اليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج، فقال رسول الله - ﷺ - لهم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر وأُصلِّي وأرقد وأتزوج النساء فمنْ رغب عن سنَّتي فليس منِّي» (^٢).
وهذا دليلٌ على أنَّ المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع، والدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، والشريعة المطهَّرة مبنيَّةٌ على التيسير وعدم التنفير، وقوله: «فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي» المراد بالسُّنَّة: الطريقة، والرغبةُ: الإعراض، وأراد - ﷺ - أن التارك لهديه القويم المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع (^٣).
_________________
(١) ينظر: فتح الباري على صحيح البخاري، باب علامات النبوة في الإسلام ٤/ ٤٥٥.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ٣/ ٣٥٤.
(٣) ينظر: نيل الأوطار ٦/ ١٢٣.
[ ٢٤ ]
وهناك أصول من التزم بها كان من أهل السُّنَّة والجماعة، قيل لسهل ابن عبد الله التستري متى يعلم الرجل أنه على السُّنَّة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي - ﷺ -، لا يخرج على هذه الأمه بالسيف، ولا يكذِّب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يتوب من أهل القبلة بالذنب، لا يترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة خلف كل والٍ جَار أوعدل (^١).
وقال الإمام أحمد - ﵀ -: "أصول السُّنَّة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - " (^٢)، ثم ذكر جملة من عقائد السلف.
ويقول ابن حزم - ﵀ -: "وأهل السُّنَّة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم الصحابة - ﵃ -، ومن سلك نهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها ﵏" (^٣).
وقال الأصبهاني بعد كلامه عن أهل الأهواء: "وأما أهل الحق فجعلوا
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة ١/ ١٣٨.
(٢) المرجع نفسه ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٣) الفصل في الملل والنحل ٢/ ٢٧١.
[ ٢٥ ]
الكتاب والسُّنَّة إمامهم، وطلبهم الدين من قبَلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسُّنَّة فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسُّنَّة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم" (^١).
وقال السجزي - ﵀ -: "فأهل السُّنَّة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول - ﷺ -؛ لأنهم - ﵃ - أئمة، وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم واتباع سُنَّتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسُّنَّة واعتقادها مما لامرية في وجوبه" (^٢).
وللإمام البربهاري - ﵀ - عبارة وَصَف بها أهل السُّنَّة فقال: "اعلم أن الإسلام هو السُّنَّة، والسُّنَّة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السُّنَّة لزوم الجماعة، ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة (^٣) الإسلام من عنقة وكان ضالًا مضلًا" (^٤).
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة وعقيدة أهل السُّنَّة، الأصبهاني ٢/ ٢٣٨.
(٢) رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ٩٩.
(٣) الرِّبْقُ بالكَسْرِ: حَبْل فيه عِدة عُرىً يُشَدُّ بهِ البَهْمُ الصِّغارُ من أَعْنُقِها أَو يَدِها لِئلاّ تَرْضَعَ، ينظر: تاج العروس ٢٥/ ٣٢٩.
(٤) شرح السُّنَّة، ص ٢١.
[ ٢٦ ]
وفي تحديده لضابط صاحب السُّنَّة قال: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى: القدرية، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، فمن قدَّم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا على أصحاب رسول الله - ﷺ - ولم يتكلَّم في الباقين إلا بخير ودعا لهم فقد خرج من التشيُّع أوله وآخره، ومن قال: الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال: الصلاةُ خلف كلِّ برٍّ وفاجر، والجهاد مع كلِّ خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقدخرج من قول الخوارج أوله وآخره، ومن قال: المقادير كلُّها من الله -﷾- خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سُنَّة" (^١).
ووصفهم شيخ الإسلام - ﵀ - بأنهم وسط في سائر أبواب السُّنَّة؛ "لأنهم متمسِّكون بكتاب الله وسُنَّة رسول الله - ﷺ - وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين" (^٢).
وقال أيضًا: «فمن قال بالكتاب والسُّنَّة والإجماع كان من أهل السُّنَّة والجماعة" (^٣).
_________________
(١) شرح السُّنَّة، ص ٥٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٧٥.
(٣) المرجع نفسه ٣/ ٣٤٦.
[ ٢٧ ]
فمن سلم من البدع وتمسَّك بهدي النبي - ﷺ - كان من أهل السُّنَّة والجماعة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: «فأهل السُّنَّة المحضة السالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرَّع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية" (^١).
ووصفهم الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ - فقال: "أهل السُّنَّة والجماعة الذين درجوا على منهاج النبوة، ولم ينفصلوا عنها ولا لحظة واحدة لا باسم ولا برسم، فليس لهم شخص ينتمون إليه سوى منهاج النبوة (الكتاب والسُّنَّة) إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميّزه، إنما الذي يحتاج إلى اسمٍ معيَّن هو الخارج من هذا الأصل من تلكم الجماعات التي انشقت من الأصل" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى السعدية، للشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، ص ٦٣ - ٦٤.
(٢) حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، ص ٢٨.
[ ٢٨ ]