وهو في اللغة يعود إلى أمرين:
١ - الاجتماع والتضام والاتفاق، قال ابن فارس: " الجيم والميم والعين أصلٌ واحد، يدلُّ على تضامِّ الشيء، يقال: جمعتُ الشيء جمعًا وَجمْعُ مكَّة (^٥)، سُمِّيَ لاجتماع الناس به، وكذلك يوم الجمعة، وأجمعت على الأمر إجماعًا وأجمعته" (^٦).
_________________
(١) سورة النجم، آية ٤.
(٢) ينظر: الإحكام، لابن حزم ١/ ٩٨ - ١٠٠.
(٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن القيم الجوزية ٢/ ٤٤١.
(٤) إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، ابن القيم ٢/ ١٦٧.
(٥) المقصود به مزدلفة.
(٦) مقاييس اللغة ١/ ٤٧٩ - ٤٨٠.
[ ٤٨ ]
٢ - العزيمة على الأمر، نقل الجوهري عن الكسائي: يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر: إذا عزمت عليه، والأمر مُجمعٌ، ويقال: اجمع أمرك ولا تدعه منتشرًا" (^١).
وفي الاصطلاح: هو اتفاقُ مجتهدي الأُمَّة بعد وفاة الرسول - ﷺ - في عصرٍ من العصور على أيِّ أمرٍ كان (^٢).
فخرج بقولنا (اتفاق مجتهدي الأُمَّة): اتفاقُ العوام، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم، واتفاق بعض المجتهدين، واتفاق الأمم السابقة، وقولنا: (بعد وفاة الرسول - ﷺ -) قيدٌ لا بدَّ منه؛ لأن الإجماع لا ينعقد في زمانه - ﷺ -، وقولنا: في (في عصرٍ من العصور)؛ لرفع وهم من يتوهَّم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة، وهذا التوهُّم باطلٌ، فإنه يؤدي إلى عدم تصوُّر الإجماع.
ومن كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة وظهر الكلام فيها، فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر (^٣).
والإجماعُ حجَّةٌ عند الجمهور خلافًا للنظَّام، والشيعة، والخوارج (^٤)، وإقامة الحجة على حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة والعقل:
_________________
(١) الصحاح ٣/ ١١٩٩، تهذيب اللغة ١/ ٢٥٣، المحصول، للرازي ٤/ ١٩، لسان العرب ٨/ ٥٣.
(٢) ينظر: روضة الناضر وجنَّة المناظر ١/ ٣٧٦، وشرح مختصر الروضة ٣/ ٥.
(٣) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٦/ ٣٧٩.
(٤) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٨/ ٣٤٠.
[ ٤٩ ]
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "فإذا كان الرَّبُّ ﷿ قد جعلهم شهداء، لم يشهدوا بباطل، فإذا شهدوا أن الله أمر بشيءٍ فقد أمر به، وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيءٍ فقد نهى عنه" (^٢).
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٤).
فهاتان الآيتان توجبان اتباع سبيل المؤمنين وتثبتان الوعيد على المخالفة لهم، ووجه الاستدلال أن الله -﷾- جمع بين مشاقة الرسول - ﷺ - وبين مخالفة المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، ومتابعة غير سبيلهم تقع بمخالفة أقوالهم وأفعالهم (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية ١٤٣.
(٢) الفتاوى، ١٩/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) سورة آل عمران، آية ١١٠.
(٤) سورة النساء، آية ١١٥.
(٥) ينظر: الإبهاج شرح المنهاج، يعلى بن عبد الكافي وولده ٢/ ٣٥٣، ومفتاح الجنَّة في الاحتجاج بالسُّنَّة، السيوطي، ص ٢٤ - ٢٥.
[ ٥٠ ]
وأمَّا السُّنَّةُ فقد تظافرت الرواية عن رسول الله - ﷺ - بألفاظٍ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ، بل قد تواترت عنه - ﷺ - أنه قال: «لاتزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (^١).
وأخبر - ﷺ - «أنَّ الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة» (^٢).
وأما الأدلة من العقل على حجية الإجماع فقد ثبت قطعًا أنَّ نبيَّنا - ﷺ - خاتم الأنبياء وأن شريعته دائمة إلى قيام الساعة، ثم وقعت حوادث ليس فيها نصٌّ قاطعٌ من كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ -، لكن أجمعت الأمة على حكمها، فلو قيل إن إجماعهم ليس بحجة وإن الحق قد خرج عنهم، أو أنهم أجمعوا على الخطأ، للزم أن تكون شريعته غير دائمة وهذا يؤدي إلى انقطاعها وعدم بقائها واستمرارها (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي - ﷺ - لاتزال طائفة من أمتي، ١٣/ ٢٥٠.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم (٢١٦٧)، ٤/ ٤٦٦، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وللحديث شواهد في مستدرك الحاكم، ١/ ١١٥ - ١١٦، وأخرجه ابن أبي عاصم في السُّنَّة رقم (٨٠، ٨٣ - ٨٤ - ٨٥)، ٣٩، ٤١ - ٤٢، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير، ١/ ٢٧٨، رقم ١٨١٨، وقال: حديثٌ حسن.
(٣) ينظر: المستصفي من علم الأصول ١/ ١٧٥ - ١٧٦، روضة الناظر وجنَّة المناظر ١/ ٣٤١ - ٣٤٢.
[ ٥١ ]