إن الله -﷾- لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهرِ والسرائرُ تبعٌ لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائرِ والظواهرٌ تبعٌ لها، فإذا أظهر المسلم سلامة الاعتقاد مع العمل بمقتضاه حُكم عليه بأنَّه من أهل السُّنَّة، وليس لنا أن ننقِّب عمَّا في قلبه.
ذكر سعيد الخدري - ﵁ - قصَّة الرجل الذي راجع النبي - ﷺ - في الزكاة وقال له يا رسول الله: اتق الله أنَّ خالد بن الوليد - ﵁ - استأذن النَّبي - ﷺ - في ضرب عنقه قال النبي - ﷺ -: «لعلَّه أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم» (^١).
فيجب على كل من نصح نفسه ألا يعامل الناس بغير ما ظهر منهم، امتثالًا لفعل النبي - ﷺ - واقتداءً بأصحابه - ﵃ - الذين جعلوا هذا أصلًا في تعاملهم مع غيرهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن،٣/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٣٩ ]
وفي حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان يقول: «إنَّ أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - ﷺ - وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فَمَنْ أظهر لنا خيرًا أمِنَّاهُ وقرَّبناهُ، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومَنْ أظهر لنا سوءًا لم نأْمَنْه ولم نصدِّقه وإن قال إن سريرته حسنه» (^١).
وفي الشق الآخر فأهل السُّنَّة يبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع، وهذا أصلٌ عندهم متفرِّعٌ عن مسألة الإيمان، وهو أن الإيمان إذا ذهب بعضه لا يذهب كلُّه، وهم بذلك خالفوا أهل البدع كالجهمية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة.
وقرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هذه المسألة بقوله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشر، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصية، وسُنَّةٌ وبدعة: استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهداء العدول، ٢/ ٢٦٤.
[ ٤٠ ]
للثواب فقط، ولامستحقًّا للعقاب فقط، وأهل السُّنَّة يقولون: إن الله -﷾- يعذِّب بالنار من أهل الكبائر من يعذِّبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة، بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السُّنَّة عن النبي - ﷺ - " (^١).