والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأنه تعالى أنزل إلى كل نبي ورسول كتابًا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال ﷾: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى
[ ٥٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، والإيمان بأن هذه الكتب كلها كلام الله تعالى، تكلم بها الباري جل وعلا حقيقة، كما شاء، وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب، بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه إلى الرسول البشري، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من كتب الله تعالى التي أنزلها على رسله باسمه، كالقرآن الذي أنزل على رسولنا محمد ﷺ، وكالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇، والزبور الذي أنزل على داود ﵇، وصحف إبراهيم - ﵇ -، أما ما لم نعلم اسمه من كتب الله تعالى فنؤمن به على وجه الإجمال، فنؤمن أن الله تعالى أنزل إلى كل رسول كتابًا، كما سبق في الأمر الأول.
الأمر الثالث: يجب أن نصدق بأن كل ما ثبت أنه من كلام الله تعالى الذي أنزله في كتبه حق، وأن جميع ما هو موجود الآن من كتب الله تعالى السابقة للقرآن قد دخلها التحريف والتغيير، لأن الله تعالى يتكفل بحفظها من ذلك، وقد أخبرنا جل وعلا أن بعض من سبقنا غيروا كتبهم وحرفوها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] أما القرآن الكريم، فإن الله تعالى حفظه من أي تحريف أو تبديل، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
[ ٥٥ ]
الأمر الرابع: يجب على كل أمة أن تعمل بالكتاب الذي أنزله الله إليها، ومن ذلك أنه يجب على أمة محمد ﷺ أن تعمل بهذا القرآن العظيم، كما أنه بعد نزول هذا القرآن العظيم نسخ جميع ما في الكتب السابقة، فيجب على أتباع الديانات السماوية السابقة بعد نزوله أن يعملوا بما فيه، كما قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨]، فلا يجوز لأحد من العالمين بعد نزول هذا القران الكريم أن يعمل بشيء من كتب الله تعالى سوى هذا القرآن العظيم، فمن عمل بشيء منها فعمله باطل وضلال، لأنه عمل بكتاب مبدل ومنسوخ.