والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، وهو يتضمن أمورًا، أهمها:
الأمر الأول: فتنة القبر، وذلك بسؤال الملكين للميت في قبره عن دينه، وربه، ورسوله، كها سبق بيانه عند الكلام على الملائكة، وكما سيأتي في حديث البراء قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
الأمر الثاني: نعيم القبر وعذابه.
وقد وردت نصوص كثيرة في بيان عذاب القبر ونعيمه، ومن هذه النصوص:
حديث البراء - وهو حديث صحيح - ذكرت فيه أكثر تفاصيل عذاب القبر ونعيمه، فقد روى الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جِنازة رجلٍ من الأنصار، فانتَهَيْنا إلى القبر، ولمَّا يُلْحَدْ، فجلسَ رسولُ الله ﷺ، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطيرَ، وفي يده عودٌ يَنكُتُ به في الأرض، فرفعَ رأسَه، فقال: "اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العَبْدَ المؤمِنَ إذا كانَ في انقطاعٍ من
[ ٥٨ ]
الدّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزلَ إليهِ ملائكة مِنَ السَّماءِ بيضُ الوُجُوهِ، كأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أكْفَانِ الجَنَةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ المَوْتِ - ﵇ - حتى يَجلسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقول: أيَّتُها النَّفس الطَّيِّبةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله ورِضوان".
قال: "فَتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقاءِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حتى يأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذلِكَ الكَفَنِ، وفِي ذلِكَ الحَنُوطِ، ويخرجُ منها كأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وَجْهِ الأرْضِ".
قال: "فَيَصْعَدُونَ بها، فلا يَمُرُّونَ - يعني بها - على ملأٍ مِنَ الملائِكَةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوْحُ الطَّيِّبُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بنُ فلانٍ، بأحْسَنِ أسْمَائِهِ التي كانوا يُسَمُّونَهُ بها فِي الدُّنيا، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ له، فَيُفتَحُ لهمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ التي تَلِيها، حَتّى يُنْتَهَى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فيقولُ الله ﷿: اكْتُبُوا كتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فإنِّي مِنْها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهمْ تَارةً أُخرى".
قال: "فتعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فيأتِيهِ مَلَكَان، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيقولُ: دِينيَ الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فيقول: هُوَ رَسُولُ الله ﷺ، فيقولانِ له: وما عِلْمُك؟ فيقولُ: قَرَأتُ كِتابَ الله، فآمَنْتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فأفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَألبِسُوهُ مِنَ الجنَّةِ، وَافْتَحُوا له بابًا إلى الجَنَّة".
قال: "فيأتِيهِ مِنْ رَوْحِها وطيبِها، وَيُفْسَحُ له في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ".
[ ٥٩ ]
قال: "ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيقُولُ له: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يجيءُ بالخَيْرِ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الصَّالحُ، فيقولُ: رَبِّ أقِمْ السّاعَةَ حتى أرْجعَ إلى أهلي وَمالي".
قال: "وإنَّ العَبْدَ الكافِر إذا كانَ في انقطاعٍ مِنَ الدُّنْيا وَإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيهِ مِنَ السَّماءِ ملائكةٌ سُودُ الوُجُوهِ، معهم المُسُوحُ، فيَجلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ الموتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبيثةُ، اخْرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ".
قال: "فَتَفَرَّقُ في جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السُّفُّودُ مِنَ الصُّوف المبلولِ، فيأْخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عيْنٍ حتى يَجْعَلُوها في تلك المُسُوحِ، ويَخْرُجُ منها كأنْتَنِ رِيحِ جيفَةٍ وُجِدَتْ على وجه الأرْضِ، فيَصْعَدُونَ بها، فَلا يَمُرُّونَ بها على ملأ مِنَ الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوحُ الخَبيثُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بْنُ فلانٍ، بأقبحِ أسْمائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهَى به إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَحُ لَهُ" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] قال: "فيقول الله ﷿: اكتُبوا كتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فتُطرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
قال: "فتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، وَيأتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فيقولان لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينُكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدْري، فيقولان لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدْرِى، فينادي منادٍ
[ ٦٠ ]
مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ، فَأفْرِشُوا لَه مِنَ النَّارِ، وافْتَحُوا لَه بابًا إلى النَّارِ، فيأتِيهِ مِنْ حَرِّها وَسَمُومِها، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، وَيَأتِيهِ رَجُلٌ قَبيحُ الوَجْهِ، قبيحُ الثّيابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بالذِي يَسُوؤكَ، هذا يَوْمُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فيقولُ: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجيءُ بالشَّرِّ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الخبِيثُ، فيقولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعَة".
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن العذاب في القبر يكون أحيانًا على الروح والبدن جميعا، كما في أول دفن الميت، وفي بعض أوقات عذاب القبر يكون العذاب على الروح وحدها، وهذا يكون بعد فناء الجسد، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين النفختين أربعون" قال: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة".
الأمر الثالث: النفخ في الصور لقيام الساعة، ثم للبعث، كما سبق بيانه عند الكلام على الملائكة.
الأمر الرابع: البعث.
فيحشر الباري جل وعلا الإنس، والجن، وجميع البهائم، من حيوانات، وحشرات وغيرها.
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ
[ ٦١ ]
كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس: ٥١ - ٥٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
الأمر الخامس: ما يكون في يوم القيامة من حساب، وغيره، وهذا يشمل أمورًا كثيرة، أهمها:
١ - الميزان، ووزن الأعمال فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وكما قال جل شأنه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة].
٢ - إعطاء الكتب باليمين أو الشمال، وعرض أعمال المؤمنين عليهم، ومناقشة الكفار والعصاة في أعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ [الحاقة: ١٨ - ٣١]، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ ٦٢ ]
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم - وضي الله عنه - موفوعًا: "ما منكم أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة".
فالمؤمن ومن غفر الله له ذنوبه تعرض أعماله عليه، ولا يناقش فيها، أما من لم يغفر الله له ذنوبه، فإنه يناقش في أعماله، ويقرَّع، ويؤنب، ويعاتب على فعلها، ومنهم من يفضح بذكرها بين الخلائق في ذلك الموقف العظيم، ومن ينكر منهم شيئًا من أعماله، شهد عليه بها رب العالمين، والملائكة الذين يكتبون أعماله، ومنهم من تشهد عليه جوارحه التي عملت تلك المعاصي، كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وكما قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وكما قال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٢].
٣ - الشفاعة.
ففي موقف القيامة يأذن الله تعالى للقرآن، وللأنبياء، وللملائكة،
[ ٦٣ ]
وللشهداء، وللمؤمنين، ولأطفالهم، أن يشفعوا لبعض الموحدين.
ولنبينا محمد ﷺ شفاعات متعددة، منها ما خصه الله تعالى بها، ومنها ما يشاركه فيها غيره، وأهم هذه الشفاعات ما يلي:
الشفاعة الأولى، وهي الشفاعة العظمى، وهي أن الناس في موقف القيامة إذا طال وقوفهم وانتظارهم لفصل القضاء، يلجؤون إلى أنبياء الله تعالى، ليشفعوا لهم عند الله تعالى أن يريحهم من طول ذلك الموقف، فيعتذر منها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيأتون إلى النبي ﷺ، فيقول: "أنا لها، أنا لها"، فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، فيقال: "ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع"، فيشفّعه الله في أهل موقف القيامة أن يقضي بينهم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
وهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ.
الشفاعة الثالثة: شفاعتة ﷺ فيمن استحق النار أن لا يدخلها.
الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من الموحدين أن يخرج منها.
وهاتان الشفاعتان يشاركه فيها النبيون والملائكة والصدّيقون وغيرهم.
الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ في بعض الكفار من أهل النار أن يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده.
[ ٦٤ ]
٤ - نعيم يوم القيامة، وعذابه.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يظلهم الله تعالى في ظله في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة.
وثبت في السفة أن العصاة يعذبون في ذلك اليوم، فقد روى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميلى، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا".
وجاء في بعض الأحاديث أن بعض العصاة يعذبون على معاصي معينة من معاصيهم في ذلك اليوم.
٥ - القصاص بين الخلائق.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح فِي النار".
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
[ ٦٥ ]
٦ - نصب الصراط على متن جهنم.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - حديث القيامة الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم"، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجذ، فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم"، وزاد مسلم في رواية: قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف".
وقد ثبت في السنة أن الصراط أحد من السيف، وثبت ذلك أيضًا عن ابن مسعود - ﵁ - من قوله، وله حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، وثبت في بعض الآحاديث أن الصراط أدق من الشعر.
٧ - رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا في موقف القيامة، فيراه المؤمنون في موقف القيامة بعد دخول أصناف المشركين النار.
هذا وهناك أمور كثيرة أخرى تكون في موقف القيامة، يجب الإيمان بها، كتشقق السماء، وذوبانها، وكقبض الجبار جل وعلا للأرض كلها، وطيه للسماوات بيمينه، وكتبديل السموات والأرض، وكجعل الجبال قطنًا منفوشًا، وكانتثار النجوم، وهو تساقطها، وكخسف القمر، وهو ذهاب ضوئه، وكتسجير البحار، وهو أن توقد حتى تصير نارًا تضطرب، وكحوض النبي ﷺ في عرصات القيامة، والذي يرده المؤمنون من هذه الأمة، ويصب فيه نهر الكوثر،
[ ٦٦ ]
والذي هو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله نبيه محمدًا ﷺ.
الأمر السادس مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار.
فيجب على المسلم أن يؤمن بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة.
ويجب أن يؤمن بأن المؤمنين في الآخرة يدخلون الجنة، وأنهم يخلدون فيها، وأن عصاة الموحدين الذين توفاهم الله تعالى وهم مصرون على شيء من كبائر الذنوب أنهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عن ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، خالدين فيها، وإن شاء أدخلهم النار، حتى يطهرهم من ذنوبهم، فيعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة، خالدين فيها.
كما يجب الإيمان بأن جميع الكفار من مشركين ومنافقين وغيرهم - ويدخل في ذلك جميع من لم يدخل في الإسلام بعد بعثة النبي ﷺ من يهود ونصارى وغيرهم - يجب الإيمان بأن هؤلاء كلهم يدخلون النار، ويخلدون فيها.
ويجب الإيمان كذلك بأن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدا، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع، ولقوله جل وعلا عن الكفار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ولقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] ولقوله ﷾: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥].
[ ٦٧ ]
الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره.
فيجب على العبد أن يؤمن بأن كل ما وقع أو يقع في هذا الكون من خير أو شر، كله بتقدير الله تعالى.
ويجب على العبد أن يؤمن بمراتب القضاء والقدر الأربع، والتي سبق ذكرها عند الكلام على وسطية أهل السنة بين فرق الضلال في مقدمة هذا الكتاب.
ومن المسائل العقدية المهمة المتعلقة بالإيمان أيضًا، والمجمع عليها بين الصحابة وكبار التابعين: أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وكما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكما قال ﷾: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
[ ٦٨ ]