لقد حذر النبي ﵊ من الغلو في حقه ﷺ، فقد روى البخاري عن عمر ﵁، قال: سمعت النبي صلى الله
[ ١٤٦ ]
عليه وسلم يقول: "لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله، ورسوله"، والإطراء هو الغلو، وإذا كان هذا في حقه ﷺ وهو أفضل البشر، فغيره ممن هو دونه في الفضل أولى أن ينهى عن الغلو فيه.
وثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم، عُبدت".
ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
ومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:
أولًا: المبالغة في مدحهم، كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذبًا، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم
[ ١٤٧ ]
هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعوا الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.
وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من الغلو في مدحه ﵊، فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه البخاري، وإذا كان هذا في حقه ﷺ فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه ﷺ أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى، ومن دعا إلى هذا الغلو وأصر عليه بعد علمه بنهي النبي ﷺ فقد ردَّ سنته ﷺ، ودعا الناس إلى عدم اتباعه ﵊، وإلى اتباع وتقليد اليهود والنصارى في ضلالهم وغلوهم في أنبيائهم، والذي نهاهم الله تعالى عنه.
والنبيُّ ﷺ له فضائل كثيرة ثابتة في كتاب الله تعالى وفي صحيح سنته ﵊، فهو ﵊ ليس في حاجة إلى أن يكذِب ويزوِّر الناسُ له فضائل صلوات ربي وسلامه عليه.
ثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين: من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بنصب الأنصاب في مجالسهم، كما حصل من قوم نوح ﵇، وقد سبق ذكر قول ابن عباس - ﵄ - في ذلك مقدمة هذا المبحث، ولا شك أن تصوير العلماء ومشاهير الصالحين أعظم تسببًا في إيقاع الجهال في الشرك من وضع الأنصاب في مجالسهم، وبالأخص إذا نُصبت في أماكن العبادة.
ولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وودت نصوص شرعية فيها تغليظ على
[ ١٤٨ ]
المصورين لذوات الأرواح (^١).
ومن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷺ: "إنَّ أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون" رواه البخاري ومسلم، وروى البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - أنه أتاه رجل فقال: إني رجلٌ أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم".
وقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
وثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". رواه مسلم
ولذلك فإنه ينبغى للمسلم ألا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسمًا، كالتماثيل وغيرها مما له ظل - وهو أشد حرمة وأعظم إثمًا - أم ما كان على ورق أو جدار أو خرقة أو غيرها، ويعظم خطر التصوير إذا كان المصوَّر من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.
_________________
(١) وقد اختلف علماء هذا العصر في حكم التصوير الفوتوغرافي، وهو التصوير بالآلة (الكمرة)، وكثير من العلماء المعاصرين يرون تحريمه، ويرون أنه لا يجوز منه إلا ما له ضرورة أو حاجة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا النوع ليس من التصوير المحرم أصلًا، لأنه مجرد حبس لعكس الإنسان، قالوا: فليس فيه مضاهاة لخلق الله، فهو مثل ظهور عكس الإنسان في المرآة عند وقوفه أمامها، ويزيد عليه تثبيت هذا العكس لا غير. وذهب بعض أهل العلم إلى أن التصوير السينمائي - وهو التصوير الفلمي - والتصوير التلفزيوني ليسا من التصوير أيضًا، لما سبق ذكره في الفوتوغرافي، وذهب بعض العلماء إلى القول بتحريمهما لعموم النصوص، واستثنى بعضهم ما كان لمصلحة شرعية كبعض مسائل التعليم والدعوة ونحو ذلك.
[ ١٤٩ ]
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: "التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ..، فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصًا إذا كان المصوّر له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصًا إذا عُظّمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضًا فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله".
ثالثًا: التبرك الممنوع بالصالحين، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على التبرك الممنوع في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.