صفات الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن كل اسم لله تعالى يتضمن صفة له جل وعلا، وأسماء الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن منها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر صفات كثيرة لله تعالى، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله.
ومن هذه الصفات:
١ - علو الله تعالى. وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات.
فأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها.
وأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دله على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة.
فأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها:
١ - التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة "مِنْ" المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
[ ٩١ ]
٢ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وثبت في الحديث أنه يشرع للعبد أن يقول في حال سجوده - وهو أكثر ما يكون سفولًا بوضعه أشرف أعضائه، وهو الوجه، على الأرض -: "سبحان ربي الأعلى"، فيصف ربه بصفة العلو وهو - أي الساجد - على هذه الحال من السفول وتنكيس الجوارح تذللا للعلي العظيم.
٣ - التصريح بكونه تعالى في "السماء"، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وكقوله ﷺ: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" رواه البخاري ومسلم.
٤ - التصريح بصعود الأشياء وعروجها إليه، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وكما في قوله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكما في أحاديث المعراج، وهي أحاديث متواترة.
٥ - التصريح بلفظ "الأين"، كقول أعلم الخلق بربِّه وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها معاوية بن الحكم: "أعتقها، فإنها مؤمنة" رواه مسلم.
٢ - صفة الكلام:
فالله تعالى لم يزل متكلمًا بمشيئته وإرادته بما شاء وكيف شاء بكلام حقيقي، حرف وصوت، ويسمعه من يشاء من خلقه، وكلامه ﷿ قول حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله ﷾:
[ ٩٢ ]
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
ومن الأدلة على ذلك من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله ﷿ يوم القيامة: (يا آدم) فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادِي (^١) بصوت: (إنَّ الله يأمرك أنْ تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فحينئد تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: أينا ذلك الواحد .. الحديث. رواه البخاري في صحيحه.
ومن كلام الله تعالى: (القرآن)، فهو صفة من صفات الله تعالى، تكلم به ربنا جل وعلا، وسمعه منه جبريل ﵇، ونزل به على محمد ﷺ، فهو منزل، غير مخلوق. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢].
ومن أدلة السنة: ما رواه جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض
_________________
(١) قال الحافظ العيني الحنفي في "عمدة القاري" ١٩/ ٦٨: "على صيغة المعلوم" أي أن الله تعالى ينادي آدم ﵇ بصوت يسمع.
[ ٩٣ ]
نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي".
٣ - صفة الاستواء على العرش:
فاستواء الله تعالى على عرشه معناه: علوه عليه، واستقراره عليه، علوًا واستقرارًا حقيقيًا يليق بجلاله.
واستواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف.
فمن أدلة القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
ومن أدلة السنة:
١ - ما رواه الخلال عن قتادة بن النعمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه".
٢ - ما روي عن جبير بن مطعم مرفوعا، وفيه قوله ﷺ عن ربه جل وعلا: "إنه لفوق عرشه على سماواته".
٣ - وروي نحوه عن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في ضمن حديث الأوعال المشهور.
٤ - صفة الوجه:
"الوجه" من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
[ ٩٤ ]
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧، ٢٦]، وقال النبي ﷺ عن ربه ﷿: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" رواه مسلم، وفي حديث الحارث الأشعري موفوعًا. "وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل لوجهه إلى وجه عبده".
٥ - صفة اليدين:
مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين، ويعتقدون أنهما يدان حقيقيتان تليقان بجلال الله تعالى، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهما من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى مخاطبًا الشيطان الرجيم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. رواه البخاري ومسلم.
وعن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: "يأخذ الله عز
[ ٩٥ ]
وجل سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله"، ويقبض أصابعة ويبسطها، "أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ. رواه مسلم.
٦ - المحبة:
المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال النبي ﷺ: "إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا .. " رواه البخاري ومسلم، وفي الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: "لأُعطيَنَّ الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
هذا وهناك صفات كثيرة غير ما ذكر ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، أو بأحدهما، وبإجماع السلف، يطول الكلام بذكرها وذكر أدلتها، ومنها: الخلق، والرزق، والرضى، والضحك، والغضب، والعزة، والعلم، والعدل، والحياء، والجمال، والانتقام من المجرمين، والنزول إلى السماء الدنيا، والكيد لأعدائه، والخداع لمن خادعه، والعين، والأصابع، والقدم، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة، وغير ذلك.