وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:
١ - ما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك "رواه مسلم.
٢ - ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد".
٣ - ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس - ﵃ - قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا. قالت عائشة - ﵂ -: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي، أن يتخذ مسجدًا". رواه البخاري ومسلم.
[ ١٥٦ ]
٤ - ما رواه أبو الهياج الأسدي - ﵀ - قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أنْ لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". رواه مسلم.
٥ - ما رواه - جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم.
ولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر.
ومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضًا جعلها مكانًا للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلى، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده.
وقد وودت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:
١ - ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم.
٢ - ما رواه جابر، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" رواه مسلم.
وورد في الأحاديث أيضًا النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدا،
[ ١٥٧ ]
والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة.
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، وإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر.
ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي ﷺ وتنوع الوعيد الوارد فيها فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها.
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعًا أكثر من شبر، أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها.
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر، وقال كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها.
وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صورة القبر من المسجد، وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها.
وأجمعوا أيضًا على أن الذهاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى عندها، أو لغير
[ ١٥٨ ]
ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها.
وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم.
وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب.
وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر.
[ ١٥٩ ]