عرف الإمام ابن تيمية العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل:
أولًا: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى.
[ ٧٨ ]
ويدخل في العبادات المحضة ما يلي:
١ - العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين:
أ - "قول القلب"، وتسمى "اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك.
ب - "عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها مما يفعله القلب.
٢ - العبادات القولية: ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك.
٣ - العبادات البدنية: ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك.
٤ - العبادات المالية: ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها.
ثانيًا: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات.
ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي:
١ - فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن
[ ٧٩ ]
ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها.
فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوِّي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلًا كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب المشي مبتغيًا بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها بلا نزاع.
ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد: "ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك" متفق عليه، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة" متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلًا منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى إلخ.
٢ - ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه وامتثالًا لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها بلا نزاع.
ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن
[ ٨٠ ]
عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى.
٣ - فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها.
ومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال: "أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبب من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي" رواه البخاري.
وهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغاية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار.