وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ تَعَلَّقَ بِهِمْ مِنْ جِهَةِ جِنَايَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ، وَفَسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ جَادَّةِ الْإِسْلَامِ، إِلَى بُنَيَّاتِ الطريق فَنَقُولُ: إنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ بِالتَّثْرِيبِ أَوِ التَّنْكِيلِ أَوِ الطَّرْدِ أَوِ الْإِبْعَادِ أَوِ الْإِنْكَارِ هُوَ بِحَسَبِ حَالِ الْبِدْعَةِ فِي نَفْسِهَا مِنْ كَوْنِهَا عظيمة المفسدة في الدين، أم لا
[ ٥٢ ]
وَكَوْنِ صَاحِبِهَا مُشْتَهِرًا بِهَا أَوْ لَا، وَدَاعِيًا إليها أو لا، ومستظهرًا بالأتباع وَخَارِجًا عَنِ النَّاسِ أَوْ لَا، وَكَوْنِهِ عَامِلًا بِهَا عَلَى جِهَةِ الْجَهْلِ أَوْ لَا.
وكلٌ من هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَهُ حُكْمٌ اجتهاديٌّ يخصُّه، إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ فِي الْبِدْعَةِ حدٌّ لَا يُزاد عَلَيْهِ وَلَا يُنقص مِنْهُ، كَمَا جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة والقتل والقذف والخمر وغير ذلك، ولا جَرَمَ أنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الأُمة نَظَرُوا فِيهَا بِحَسَبِ النَّوَازِلِ، وَحَكَمُوا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي بَعْضِهَا مِنَ النَّصِّ، فَخَرَجَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ العلماءُ أَنْوَاعٌ:
(أَحَدُهَا) الْإِرْشَادُ وَالتَّعْلِيمُ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ كَمَسْأَلَةِ ابن عباس ﵁ حِينَ ذَهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ فَكَلَّمَهُمْ حَتَّى رَجَعَ منهم ألفان أو ثلاثةُ آلاف.
(الثاني) الهجران وترك الكلام والسلام.
(الثالث) [التغريب] كما غرَّب عمر صَبِيغًا.
(الرابع) [السجن] كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة.
(الخامس) ذِكْرُهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ وَإِشَاعَةُ بِدْعَتِهِمْ كَيْ يُحذروا، وَلِئَلَّا يُغتر بِكَلَامِهِمْ، كَمَا جَاءَ عَنْ كثير من السلف في ذلك.
(السادس) القتال إِذَا نَاصَبُوا الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ كَمَا قَاتَلَ عليٌّ ﵁ الْخَوَارِجَ، وغيرُه مِنْ خلفاء السُّنَّةِ.
(السابع) القتل إنْ لم يرجِعوا مع الاستتابة وقد أظهر بدعته.
(الثامن) مَنْ أسرَّها وَكَانَتْ كُفْرًا أَوْ مَا يَرْجِعُ إليه فالقتل بلا استتابة
[ ٥٣ ]
لأنَّه من باب النفاق كالزنادقة.
(التاسع) تَكْفِيرُ مَنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كُفْرِهِ، كَمَا إذا كانت البدعة صريحة في الكفر.
(العاشر) لَا يَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرِثُونَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا يُغَسَّلون إِذَا مَاتُوا، وَلَا يُصلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُدفنون فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَتِرًا؛ فإنَّ الْمُسْتَتِرَ يُحكم لَهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَوَرَثَتُهُ أَعْرَفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِيرَاثِ.
(الحادي عَشَرَ) الْأَمْرُ بأنْ لَا يُنَاكحوا، وَهُوَ مِنْ ناحية الهجران، وعدم المواصلة.
(الثاني عَشَرَ) تَجْرِيحُهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا تُقبل شَهَادَتُهُمْ ولا يكونون ولاة وَلَا قُضَاةً، وَلَا يُنصبون فِي مَنَاصِبِ الْعَدَالَةِ من إمامة أو خطابة.
(الثالث عَشَرَ) تَرْكُ عِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الزجر والعقوبة.
(الرابع عشر) ترك شهود جنائزهم كذلك.
(الخامس عَشَرَ) الضَّرْبُ كَمَا ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا.
فصل