إِذَا تَبَيَّنَ أنَّ لِلرَّاسِخِينَ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهَا فِي اتباع الحق، وأنَّ الزائغين على طريق غير طريقهم، احتجنا إِلَى بَيَانِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا هَؤُلَاءِ لِنَتَجَنَّبَها، فنظرنا في آية تَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّاسِخِينَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأَنَّ هذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ، وأنَّ لِلْبَاطِلِ طُرُقًا متعددة لا واحدة، وتعددها لم يُخَصُّ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ وَهَكَذَا الْحَدِيثُ المفسِّر لِلْآيَةِ وَهُوَ قول ابن مسعود ﵁: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَطًا فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا» ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: «هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يدعو إليه» ثم تلا هذه الآية (٢) .
_________________
(١) الأنعام: ١٥٣.
(٢) [صحيح] تقدم تخريجه ص٢١.
[ ٦٢ ]
فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا خطوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ محصورةٍ بِعَدَدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إِلَى حَصْرِ عَدَدِهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا لَنَا أَيْضًا سبيلٌ إِلَى حَصْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَوْ الاستقراء، لكنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْجُهًا كُلِّيَّةً يُقَاسُ عليها ما سواها.
١- اعتمادُهم عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ: وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا على رسول الله - ﷺ -.
وَالْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ الْإِسْنَادِ لَا يَغْلِب عَلَى الظَّنِّ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أنْ يُسند إِلَيْهَا حُكْمٌ، فَمَا ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟.
٢- ردُّهم لِلْأَحَادِيثِ: الَّتِي جَرَتْ غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِأَغْرَاضِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، ويدَّعون أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمَعْقُولِ، وَغَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، فَيَجِبُ ردَّها، كَالْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْمِيزَانِ، وَرُؤْيَةِ اللَّهِ ﷿ فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الذُّبَابِ وَقَتْلِهِ، وأنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وأنه يقدِّم الذي فيه الداء. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَنْقُولَةِ نقل العدول.
رُبَّمَا قَدَحُوا فِي الرُّوَاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رضي الله تعالى عنهم -وحاشاهم- وفيمن اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَإِمَامَتِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الْمَذْهَبِ، وَرُبَّمَا ردُّوا فَتَاوِيَهُمْ وقبَّحوها فِي أَسْمَاعِ الْعَامَّةِ، لينفِّروا الأُمة عَنْ أَتْبَاعِ السُّنَّةِ وأهلها.
٣- تَخَرُّصُهم عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ: مَعَ العُروِّ عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيَفْتَاتُونَ (١) عَلَى الشَّرِيعَةِ بِمَا فَهِمُوا، وَيَدِينُونَ بِهِ، وَيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي العلم، وإنَّما دخلوا في ذلك من
_________________
(١) أي يختلقون الباطل، وأصلها مهموز وقد يخفف.
[ ٦٣ ]
جِهَةِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك.
٤- انْحِرَافُهُمْ عَنِ الْأُصُولِ الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ: التي للعقول فيها مواقف، وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أنَّ كلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشتباهٌ وإشكالٌ لَيْسَ بدليلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يتبين معناه ويظهر المراد منه، لأنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا، احْتِيجَ إِلَى دليل، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَأَحْرَى أنْ لا يكون دليلًا.
ومدار الغلط في هذا إنَّما هو: الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا لبعض، فإنَّ مَأْخَذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إنَّما هُوَ عَلَى أنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كليَّاتها وجزئيَّاتها الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا، وعامِّها الْمُرَتَّبِ عَلَى خاصِّها؛ ومطلقِها الْمَحْمُولِ عَلَى مقيِّدِها، ومجملِها المفسَّر ببيِّنها، إِلَى مَا سوى ذلك من مناحِيها.
٥- تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا: بأنْ يرِد الدَّلِيلُ عَلَى مَنَاطٍ (١) فَيُصْرَف عَنْ ذَلِكَ الْمَنَاطِ إِلَى أمرٍ آخَرَ مُوهمًا أنَّ الْمَنَاطَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ خفيِّات تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أنَّ مَنْ أقرَّ بالإسلام، ويذم تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، لَا يلجأُ إِلَيْهِ صُراحًا إِلَّا مَعَ اشتباهٍ يَعْرِضُ لَهُ، أَوْ جَهْلٍ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ، مَعَ هَوَىً يَعْمِيهِ عَنْ أَخْذِ الدَّلِيلِ مَأْخَذَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مُبْتَدَعًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إِذَا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلق
_________________
(١) المناط من ناط ينوط نوطًا أي علَّقه، قال ابن فارس: «النون والواو والطاء أصل صحيح يدل على تعليق شيء بشيء» أ. هـ، وعند الأصوليين والفقهاء؛ المناط: العلة، لأنَّ الحكم لمَّا تعلَّق بها صار كالشيء المتعلق بغيره.
[ ٦٤ ]
بِالْعِبَادَاتِ - مَثَلًا - فَأَتَى بِهِ المكلَّف فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا، كَذِكْرِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ وَالنَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُعْلَمُ مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا التَّوْسِعَةُ. كَانَ الدَّلِيلُ عاضِدًا لِعِلْمِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ، فَإِنْ أَتَى المكلَّف فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ مُقَارِنًا لِعِبَادِةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ مُتَخَيَّلًا أنَّ الْكَيْفِيَّةَ، أَوِ الزَّمَانَ، أَوِ الْمَكَانَ، مَقْصُودٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، كَانَ الدَّلِيلُ بِمَعْزلٍ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى المُستدل عَلَيْهِ.
فَإِذَا نَدَبَ الشَّرْعُ مَثَلًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَالْتَزَمَ قَوْمٌ الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ وَبِصَوْتٍ أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مَخْصُوصٍ عَنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ - لَمْ يَكُنْ فِي نَدْبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ المُلْتَزَم، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ على خلافه، وَخُصُوصًا مَعَ مَنْ يُقتدى بِهِ فِي مَجَامِعِ الناس كالمساجد.
فكلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أوَّلًا، لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِالرَّأْيِ، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ وهمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَوْفًا أنْ يعمل به الناس فَيُفرض عليهم، أَلَا تَرَى أنَّ كلَّ مَا أَظْهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَوَاظَبَ عَلَيْهِ في جَمَاعَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ سُنَّةً عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ بِخِلَافِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ، فإنَّها مستحبَّات، وَنَدَبَ - ﷺ - إِلَى إِخْفَائِهَا، وإنَّما يضرُّ إِذَا كَانَتْ تُشاع ويُعلن بِهَا.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ التزامُ الدعاءِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُعلنًا بِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شاء الله تعالى.
[ ٦٥ ]
٦- بناءُ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا تُعقل يَدَّعُونَ فِيهَا أَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ والمراد، لا ما يفهم العربي - فَقَالُوا: كلُّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي التَّكَالِيفِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، والأُمور الْإِلَهِيَّةِ فهي أمثلة ورموز إلى بواطن.
٧- التغالي فِي تَعْظِيمِ شُيُوخِهِمْ: حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِمَا لَا يستحقونه، وَلَوْلَا الغُلوُّ فِي الدِّينِ وَالتَّكَالُبُ عَلَى نَصْرِ الْمَذْهَبِ وَالتَّهَالُكِ فِي مَحَبَّةِ الْمُبْتَدَعِ، لَمَا وَسِعَ ذَلِكَ عَقْلُ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، الْحَدِيثَ (١)، فَهَؤُلَاءِ غَلَوْا كَمَا غَلَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ﵇، حَيْثُ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مريم، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٢)، وفي الحديث: «لا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (٣) .
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ وَجَدَ لَهَا مِنَ الْبِدَعِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا، لأنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا دَخَلَتْ في الأصل سهَّلت مداخلتها الفروع.
٨-[الاحتجاج بالمنامات]: وَأَضْعَفُ هَؤُلَاءِ احْتِجَاجًا قومٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ - وَأَقْبَلُوا وَأَعْرَضُوا بِسَبَبِهَا، فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلَانًا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كذا، واعملوا كذا، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا وَأَمَرَنِي بِكَذَا، فَيَعْمَلُ بِهَا، وَيَتْرُكُ بِهَا، مُعرضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لأنَّ الرؤيا من غير
_________________
(١) [صحيح] تقدم تخريجه (ص٣) .
(٢) المائدة: ٧٧.
(٣) رواه البخاري (٦٨٣٠) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٦٦ ]
الْأَنْبِيَاءِ لَا يُحكم بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ إِلَّا أنْ تُعْرَضَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ سَوَّغتها عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا وَجَبَ تَرْكُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وإنَّما فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ أَوِ النِّذارة خَاصَّةً، وأمَّا اسْتِفَادَةُ الْأَحْكَامِ فلا.
وَلَا يُقال: إنَّ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أنْ تُهمل، وَأَيْضًا إنَّ المُخْبِر فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ قَدْ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي حَقًا، فإنَّ الشَّيْطَانَ لا يتمثل بي» (١)، فَإِخْبَارُهُ فِي النَّوْمِ كَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ. لأنَّا نَقُولُ:
١- إنْ كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَلَيْسَتْ إِلَيْنَا مِنْ كَمَالِ الْوَحْيِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، والجزءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إنَّما يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلَى جِهَةِ البشارة والنِّذارة.
٢- وَأَيْضًا فإنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ جزءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مِنْ شَرْطِهَا أنْ تَكُونَ صَالِحَةً مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ، وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.
٣- وَأَيْضًا فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُلْمِ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِلَى حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبَ هَيَجَانِ بَعْضِ أَخْلَاطٍ، فَمَتَى تتعيَّن الصَّالِحَةُ حَتَّى يُحكم بها وتترك غير الصالحة؟
وأمَّا الرُّؤْيَا الَّتِي يُخبر فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الرَّائِي بِالْحُكْمِ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بحكمٍ موافقٍ لِشَرِيعَتِهِ، فَالْحُكْمُ بِمَا اسْتَقَرَّ،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٩٣) ومسلم (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة، والبخاري (٦٩٩٤) من حديث أنس، و(٦٩٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٢٢٦٨) من حديث جابر، ﵃ أجمعين.
[ ٦٧ ]
وإن أخبر بمخالف، فمُحال، لأنه - ﷺ - لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ المستقِرَّة فِي حَيَاتِهِ، لأنَّ الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ استقرارُه بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ، لأنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ رُؤْيَاهُ غيرُ صَحِيحَةٍ، إِذْ لَوْ رَآهُ حَقًّا لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدَ رَآنِي» وفيه تأويلان:
أحدهما: مَعْنَى الْحَدِيثِ «مَنْ رَآنِي عَلَى صُورَتَيِ الَّتِي خُلِقْتُ عَلَيْهَا. فَقَدْ رَآنِي، إِذْ لَا يَتَمَثَّلُ الشيطان بي» إذ لم يقل: من رآني أَنَّهُ رَآنِي، فَقَدْ رَآنِي. وإنَّما قَالَ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي، وأنَّى لِهَذَا الرَّائِي الَّذِي رَأَى أَنَّهُ رَآهُ عَلَى صُورَةٍ أَنَّهُ رَآهُ عَلَيْهَا؟ وَإِنْ ظنَّ أَنَّهُ رَآهُ، مَا لَمْ يعلم أنَّ تلك الصورة صورته بَعَيْنِها، هذا مالا طريق لأحد إلى معرفته.
وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أنَّ الْمَرْئِيَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنِ اعْتَقَدَ الرَّائِي أَنَّهُ هُوَ.
الثَّانِي: يَقُولُهُ علماءُ التَّعْبِيرِ: إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَأْتِي النَّائِمَ فِي صُورَةٍ مَا؛ مِنْ مَعَارِفِ الرَّائِي وَغَيْرِهِمْ، فَيُشِيرُ لَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ: هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ فيُوقع اللبْس عَلَى الرَّائِي بِذَلِكَ وَلَهُ عَلَامَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أنْ يُكَلِّمَهُ المُشار إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرِ الْمُوَافِقَيْنِ لِلشَّرْعِ، فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَا يُوثق بِمَا يَقُولُ لَهُ أَوْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ، نَعَمْ، لَا يُحكم بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى الْعِلْمِ، لِإِمْكَانِ اخْتِلَاطِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بالآخَر، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَستدل بِالرُّؤْيَا فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا ضَعِيفُ الْمُنَّةِ (١) . نَعَمْ يَأْتِي الْمَرْئِيَّ تَأْنِيسًا وبشارة
_________________
(١) الْمُنَّة: القوة، وخُصَّت بقوة القلب والمقصود ضعيف القلب.
[ ٦٨ ]
وَنِذَارَةً خَاصَّةً، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخْذِهَا، حَسْبَمَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ فِيهَا، وَاللَّهُ أعلم.
ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ، لِأَنَّهَا سيَّالة لَا تَقِفُ عِنْدَ حدٍّ، وَعَلَى كلِّ وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زَائِغٍ وَكَافِرٍ أنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وَكُفْرِهِ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلة الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلَى الشريعة.
فَمَنْ طَلَبَ خَلَاصَ نَفْسِهِ تَثَبَّتَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الطَّرِيقُ، وَمَنْ تَسَاهَلَ رَمَتْه أَيْدِي الْهَوَى فِي مَعَاطِبَ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.
[ ٦٩ ]