علو الذات ثابت عند أهل السنة والجماعة بأدلة كثيرة منها:
١-الأسماء الحسنى الدالة على العلو بكل معانية، كاسمه العلي واسمه الأعلى وغيرهما.
٢-التصريح باستوائه تعالى على عرشه في آيات كثيرة (١) وأحاديث متعددة.
٣-التصريح بفوقيته تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من
_________________
(١) ذكر الله تعالى استواءه على عرشه في سبعة مواضع منها قوله تَعَالَى فِي سُورَةِ طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى﴾ آية ٥، وقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ في ستة مواضع الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة ٤، الحديد ٤.
[ ١ / ٣٧ ]
فوقهم﴾ (١)، وكما في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَقُولُ: "زوَّجكن أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سبع سموات" (٢) .
٤-التصريح بأنه تعالى في السماء: قال تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ ربكم الأرض فإذا هي تمور﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿من في السماء﴾ أي: عليها أو فوقها، كما قال تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٤) أي: عليها. وكما في قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٥) أي: عليها.
ومن ذلك حديث رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ سأل الجارية: (أَيْنَ اللَّهُ)؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: (مَنْ أَنَا)؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ - اللَّهِ - ﷺ - فقال لسيدها معاوية بن الحكم: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والنسائي وغير واحد من الأئمة.
٥-التصريح باختصاص بعض الأشياء بأنها عنده كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته﴾ (٦)، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إن رحمتي سبقت غضبي) رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) النحل: ٥٠.
(٢) وقد ذكر المصنف ﵀ قوله - ﷺ - لسعد (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ مِنْ فَوْقِ سبعة أرقعة) - أي سماوات - وقال: وأصله في الصحيحين ولكن أخرجاه عن أبي سعيد الخدري دون قوله: (من فوق سبعة أرقعة) فهذا ضعيف انظر تعليق الشيخ الألباني على فقه السيرة ص٣٣٦.
(٣) الملك: ١٦.
(٤) التوبة: ٢.
(٥) طه: ٧١.
(٦) الأعراف: ٢٠٦.
[ ١ / ٣٨ ]
٦-الرفع والصعود والعروج إليه ﵎، فمن ذلك:
أ-رفع عيسى ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ (١) .
ب-صعود الأعمال إليه، كما في قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يرفعه﴾ (٢) .
جـ- صعود الأرواح إليه، كما في حديث البراء الطويل الصحيح، وفيه أن الملائكة تصعد بروح المؤمن حتى السماء السابعة فيقول الله تعالى: (أعيدوه ) الحديث (٣) .
د-عروج الملائكة والروح إليه:
قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ (٤)، وفي حديث الصحيحين (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم ) الحديث.
هـ-مِعْرَاجُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة. وسيأتي بيان ذلك في الباب الأخير من الكتاب إن شاء الله تعالى.
٧-التَّصْرِيحُ بِنُزُولِهِ ﵎، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجب لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ له) .
٨-تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ وَنُزُولُ الْأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ وَتَنْزِيلُ الكتاب من كما في كثير من الآيات.
_________________
(١) النساء: ١٥٨.
(٢) فاطر: ١٠.
(٣) صححه الألباني. انظر التعليق على شرح الطحاوية ص٣٨٥، أحكام الجنائز ص١٥٦-١٥٩، ومختصر العلو حديث ٣٦.
(٤) المعارج: ٤.
[ ١ / ٣٩ ]
٩-رفع الأيدي إليه تعالى في الدعاء: وقد ورد فيه أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ فِي وَقَائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، وكذلك رفع البصر إليه كما في حديث ابن مسعود: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فصل القضاء ) الحديث. قال الذهبي: إسناده حسن (١) .
وفي حديث ابن عباس عند البخاري فِي خُطْبَتِهِ - ﷺ - يَوْمَ النحر: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) الْحَدِيثَ.
١٠-النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذكر العرش وإضافته غالبًا إلى خلقه ﵎، وأنه تعالى فوقه ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾ (٢)، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣)، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وأعلى الجنة وفوق عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة".
١١-مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ الله في تكذيبه موسى ﵇ أَنَّ إِلَهَهُ اللَّهُ ﷿ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، قال تعالى: ﴿وقال فرعون يا هامان ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ (٤) . ففرعون كذب موسى في أن رب السموات وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُبَايِنٌ لَهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
١٢-ما قصه تعالى في قصة تكليمه لموسى حين تجلى للجبل فاندك الجبل.
_________________
(١) قال الألباني: هو كما قال أو أعلى. مختصر العلو ص١١١.
(٢) غافر: ١٥.
(٣) طه: ٥.
(٤) غافر: ٣٦، ٣٧.
[ ١ / ٤٠ ]
قال ابن خزيمة: (أَنَّ اللَّهَ ﷿ لَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَمَعَ كُلِّ بَشَرٍ وَخَلْقٍ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ لَكَانَ مُتَجَلِّيًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَجَلِّيًا لِجَمِيعِ أَرْضِهِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَجِبَالِهَا وبراريها ومفاوزها ومدنها وقراها وعمارتها وَخَرَابِهَا وَجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ وَبِنَاءٍ لَجَعَلَهَا دَكًّا كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْجَبَلَ الَّذِي تجلى له دكأً، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١» .