فالقرآن كلامه تعالى حقيقة، حروفه ومعانية، وليس كَلَامُهُ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي وَلَا الْمَعَانِيَ دُونَ الحروف، قال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ (٢)
_________________
(١) لقمان: ٢٧.
(٢) التوبة: ٦، كما نجد دليلًا أيضًا في قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ ومثلها ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ففيها دلالة قطعية على أن هذا القرآن بحروفه كلامه تعالى ليس للرسول - ﷺ - فيه شيء بل هو مبلغ أمين عن الله ﷿، ولو كان القرآن من تصرف الرسول - ﷺ - لقال: (الله أحد)، (أعوذ برب الفلق)، (أعوذ برب الناس) ولكن ليست المعاني وحدها من عند الله بل الألفاظ كذلك، ولذا بلغها رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا هي حتى ولو كانت خطابًا له أن يقول كذا أو كذا. مستفاد من كلام ابن القيم في التفسير القيم ص٥٤١، ٥٤٢.
[ ١ / ٥٦ ]
فالسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، وصوت القارئ مخلوق ولكن المتلو غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْكِتَابَةُ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَكْتُوبُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شاعر ﴾ (١) فالمراد من إضافة القول إليه ﵊ هو التبليغ، لأن من حق الرسول - ﷺ - أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ، لَا أَنَّ الْقُرْآنَ كلام الرسول، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ (٢)، ومثل ذلك إضافته إلى جبريل ﵇ في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذي العرش مكين﴾ (٣) فهذه الإضافة كذلك باعتبار تبليغه القرآن لمحمد - ﷺ - وكل عاقل يفهم ذلك فكيف يكون القرآن قول محمد - ﷺ - ومرة قول جبريل؟! بل هو قوله تعالى خرج منه، وهو قول جبريل ومحمد - ﷺ - بعد ذلك باعتبار التبليغ. ولأن القرآن خرج منه تعالى فيستحيل أن يكون مخلوقًا، لأنه محالٌ أن يكون شيء منه تعالى مخلوقًا فالقرآن كلام الله؛ وكلام الله صفته تعالى غير مخلوقة (٤) .