لا منافاة بين الرؤية المثبتة وبين هاتين الآيتين، فإن الإدراك غير الرؤية، فالإدراك يعني الإحاطة، أما الله تعالى فلا تحيط به الرؤية كما لا يحيط به العلم ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ (٣)، وإن كان سبحانه يرى في الجنة. والبعض يجعل قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ بمعنى لا تراه، أي في الدنيا (٤) . أما قوله تعالى لموسى لما قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تراني﴾ فهذا في الدنيا وإلا
_________________
(١) الأنعام: ١٠٣.
(٢) طه: ١١٠.
(٣) طه: ١١٠.
(٤) ولعلّ الأول أقرب، إذ أن سياق الآية أقرب إلى تقرير صفة لازمة له سبحانه، بخلاف قوله تعالى لموسى: ﴿لن تراني﴾، فلم يقل لن أرى أو لا أرى، كما قال هنا: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وذلك لأن المقصود ليس تقرير أن الله لا يرى وإنما نفى ذلك في الدنيا: والله أعلم. ومن استخدام= = (لن) للنفي في الدنيا قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾ [البقرة: ٩٥] أي الموت مع أنه ﷿ قال: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف:٧٧] فالمراد نفي ذلك في الدنيا. انظر شرح الواسطية للشيخ محمد خليل هراس ص٧٣.
[ ١ / ٦٧ ]
لقال إني لا أرى (١)
ولا يمكن حمل الآية على غير ذلك وإلا ضربنا القرآن بعضه بعض، فقد سبق قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾ وقوله ﷿: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وتفسير النبي - ﷺ - وصحابته لها بالرؤية وقوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وهذا بالإضافة إلى الأحاديث الصحيحة التي أثبتت الرؤية بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل.