الأول: إثبات صفة الإرادة له تعالى.
والثاني: أنه لا يكون إلا ما يريد، فهو سبحانه منفرد بالإرادة، فلا مشيئة ولا إرادة بعد مشيئته، والمراد بالإرادة هنا الإرادة الكونية القدرية.
فمن أدلة الأول قوله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات.
ومن أدلة الثاني قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤)، وقوله
_________________
(١) النساء: ٢٦-٢٨.
(٢) البقرة: ٢٢٠.
(٣) يوسف: ٥٦.
(٤) الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩.
[ ١ / ٤٨ ]
﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله﴾ (١) فَلَا مُرَادَ لِأَحَدٍ مَعَهُ وَلَا إِرَادَةَ لِأَحَدٍ إلا بعد إرادته ﷿ أي الكونية، فالإرادة المثبتة لله تعالى قسمان، كونية لا يمكن أن يحدث خلافها، وشرعية جعل للعبد فيها اختيارًا، فهو سبحانه أراد الفسق كونًا وقدرًا لم يرده شرعًا، أما الخير فأراده كونًا وشرعًا.
وهنا مسألتان تتعلقان بالكلام عن الإرادة:
١-من انفراده تعالى بالإرادة أن يهدي من يريد ويضل من يريد، ولكنه سبحانه لا يظلم أحدًا، فهدايته للعبد وإسعاده فضل ورحمة وإضلاله وإبعاده عدل وحكمة، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْهِدَايَةِ فَيَهْدِيهِ وَمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْإِضْلَالِ فَيُضِلُّهُ وَهُوَ أَحْكَمُ الحاكمين.
٢-قد يقول قائل: إذا كان الله يكره السيئات فلم قدر وجودها؟ وهل يأتي المكروه بمحبوب؟
والجواب:
أولًا: ينبغي للسائل البحث في غير هذا مما يهم فإن الاعتراض على أفعاله تعالى كالاعتراض على أسمائه وصفاته، فهو سبحانه له صفات الكمال وأفعال الكمال وأفعال الكمال لحكمة بالغة ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٢) .
ثانيًا: لو لم يقدر الله السيئات لجبر عباده كلهم على الإيمان، ولما كان هناك فريقان أحدهما يستحق الجنة والآخر يستحق النار، ولانتفت حكمة الله ﷿ من ابتلاء العباد في هذه الحياة، وهو سبحانه لم يرد هذه السيئات شرعًا بل نفر من عنها وإنما شاء وقوعها في الكون مشيئة قدرية يتحقق بها عدل الله تعالى ويكون من ورائها الخير.
_________________
(١) المدثر: ٥٦.
(٢) الأنبياء: ٢٣.
[ ١ / ٤٩ ]
وهنا تأتي الإجابة على السؤال الخير، فنقول نعم، قد تأتي السيئة المكروهة التي قدرها الله بالخير، فإنه سبحانه ليس فيما قدره شر أبدًا، وإنما الشر الذي أوجده الله ﷿ هو شر من ناحية إضافته للعبد لا من جهة إضافته لله، فعلى سبيل المثال، قد يترتب على وقوع السيئات من محاب الله ومرضاته ما هو أعلم به فِي حَقِّ فَاعِلِهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ وَالِاعْتِرَافِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ وَرَجَاءِ مَغْفِرَتِهِ وَنَفْيِ الْعَجَبِ الْمُحْبِطِ لِلْحَسَنَاتِ عَنْهُ وَدَوَامِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ وَتَمَحُّضِ الِافْتِقَارِ وَمُلَازَمَةِ الِاسْتِغْفَارِ وغير ذلك من الفرائض المحبوبة للرب ﷿، ولذا جاء في الْحَدِيثِ: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) (١) ففي فعل هذه الأمور المحبوبة غَايَةُ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ وَسَعَادَتِهِ وَفَلَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ يقع من ذَلِكَ فَلِخُبْثِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ صَلَاحِيَتِهَا لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى ومجاورة المولى وحينئذ يأتي الخير الثاني، وهو ما يترتب من فَرَائِضُ اللَّهِ ﷿ عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ ﷿ الَّتِي هِيَ مِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ ﵈، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الخير الثالث، وهو ما يكره الله به أولياءه من الفتح أو الشهادة وغير ذلك كثير من الخير في كل ما قدره الله تعالى، ولكل ذلك لا ينسب الشر إلى الله تعالى وما كان من شر فَمِنْ جِهَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى فِعْلِ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا معصية مذمومة مكروهة للرب غير محبوبة، ونسبة الخير لله وعدم نسبة الشر إليه معروف في كثير من الآيات والأحاديث ومن ذلك على سبيل المثال ما ذكره الله ﷿ من قول الْجِنِّ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأرض أم أراد بهم
_________________
(١) رواه مسلم في التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١٧ ص ٦٥.
[ ١ / ٥٠ ]
ربهم رشدا﴾ (١)
فذكروا الرب عند الرشاد والخير فقالوا: ﴿أم أراد بهم ربهم﴾ أما حينما ذكروا الشر قالوا: ﴿أشر أريد بمن في الأرض﴾ ولم يقولوا: (أشر أراده الله بمن في الأرض)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في دعائه في افتتاح صلاة الليل: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) (٢) أي لا يضاف إليه سبحانه لوجه مِنَ الْوُجُوهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ خَالِقَهُ (٣)،
لِأَنَّهُ ليس شرًا من جهة
_________________
(١) الجن: ١٠..
(٢) رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل. وانظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ٦ ص٥٩.
(٣) كما في قول الله ﷿ ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء: ٧٨]، أي أنه ﷿ هو الخالق للحسنة والسيئة ومقدر وجودها، أما من ناحية نسبة كل منهما إلى من أرشد إليها ودل عليها فالأمر يختلف، فإن الله ﷿ قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، أي أن الله ﷿ هو الذي هداك وأرشدك ووفقك للحسنة تفضلًا منه ومنة، أما السيئة فإن نفسك هي التي ساقتك إليها وهواك هو الذي دفعك إليها.. ومن الأمثلة الكثيرة من الآيات التي تبين نسبة الخير إلى الله دون الشر بالإضافة إلى ما ذكر نختار هذه الآيات:
(٤) قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] .
(٥) قوله تعالى: ﴿زُيِّن للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤]، وفيما يمتدح قال: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ [الحجرات: ٧] . = = ٣-قوله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] .
(٦) قوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها﴾ مع قوله: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك﴾ [الكهف: ٧٩، ٨٢] .
(٧) قوله تعالى: ﴿الذي خلقني فهو يهدين *والذي هو يطعمني ويسقين *وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٧٨-٨٠] .
(٨) قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفيناه من عبادنا﴾، وقوله ﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب﴾، وقوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ [فاطر: ٣٢، الشورى: ١٤، الأعراف: ١٦٩] .
(٩) قوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق *من شر ما خلق﴾ [الفلق ١، ٢] . فنسب الشر للمخلوق ولم يقل من الشر الذي خلق.. وانظر كلام ابن القيم في التفسير القيم -سورة الفلق -.
[ ١ / ٥١ ]