ما ذكرناه من أن عباد الأوثان مقرون لله بالربوبية وَشَاهِدُونَ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَشْرَكُوا بالله في الإلهية حيث عبدوا معه غيره فهذا في الظاهر، وإلا فأنواع التوحيد متلازمة فمن صرف عبادة كالدعاء لوثن من الأوثان وطلب منه أن يختار له ما فيه مصلحته (يسافر أو لا يسافر، يفعل هذا الأمر أو لا يفعله، هل يضره ذلك الشيء أو لا يضره، إلى آخره مما كان يفعله المشركون وينتظرون فيه الجواب من الآلهة المدعاة) فمن فعل ذلك فقد نسب للوثن القدرة وعلم الغيب وما لا يقدر عليه إلا الله، وذلك من خصائص الربوبية، لذا فشركهم هذا في العبادة يتضمن شركًا في الربوبية، وهذا الأمر ظاهر كذلك في عبّاد القبور والأضرحة في كل مكان وزمان يطلبون من معبوداتهم
_________________
(١) العنكبوت: ٦٥.
(٢) وقال ابن القيم ﵀: (حديث صحيح، وزاد الحاكم وإسناده على شرط الصحيحين) اهـ. الوابل الصيب ص١٣٧. وحسنه الأرناؤوط حفظه الله في جامع الأصول ج٤ ص٣٤٢. وأما الألباني حفظه الله فذكره في ضعيف سنن الترمذي رقم ٦٩٠. وفي سند الحديث شبيب بن شيبة التيمي، صدوق يهم في الحديث. تقريب التهذيب، ش: ١٣. والحديث في سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب رقم ٧٠ وقال الترمذي: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين من غير هذا الوجه.
[ ١ / ٨٥ ]
أمورًا لا يقدر عليها إلا الله فعبادتهم أو دعاؤهم لهم شرك في العبادة وكونهم يسألونهم أمورًا لا يسألها إلا من له القدرة المطلقة وعلم الغيب والسمع الذي وسع الأصوات كلها شرك في الربوبية.
ولما كان الشرك في العبادة ينظوي على الشرك في الربوبية ولابد كان الاتجاه بالعبادة لا ينبغي إلا لله وكان حقًا له تعالى على عباده، لذلك ورد في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: (يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ من لا يشرك به شيئًا ) .