قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَلَمَّا قُبض النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفًا وَمِائَتَيْ نَفَرٍ مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ صَبْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وعرَّس بِامْرَأَتِهِ، وَسَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ أَهْلَ الرِّدَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا إِمَامَتَهُ، وَاسْتَحَلَّ دماءهم وأموالهم ونساءهم حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ، فَسَمَّوْا مَانِعَ الزَّكَاةِ
_________________
(١) الآية ٢١٦ من سورة الشعراء.
[ ٢١٣ ]
مُرْتَدًّا، وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ
النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي وَسِلْمُكَ سِلْمِي، وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ» .
وَالْجَوَابُ بَعْدُ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ الْمُفْتَرِينَ، أَتْبَاعِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ بَرَزُوا بِمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَمَرَقُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَوَلَّوْا أَهْلَ الرِّدَّةِ وَالشِّقَاقِ، فَإِنَّ هَذَا الْفَصْلَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ يُحَقِّقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الصِّدِّيقِ - ﵁ - وحزبه، مِنْ جِنْسِ الْمُرْتَدِّينَ الْكُفَّارِ، كَالْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ - ﵁ -.
وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ اليمامة هم بنوا حَنِيفَةَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَقَالَ: إِنْ جَعَلَ مُحَمَّدٌ لِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ آمَنْتُ بِهِ. ثُمَّ لَمَّا صَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ ادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَشَهِدَ لَهُ الرَجَّال بْنُ عُنْفُوة. وَكَانَ قَدْ صَنَّفَ قُرْآنًا يَقُولُ فِيهِ: «وَالطَّاحِنَاتُ طَحْنًا، فَالْعَاجِنَاتُ عَجْنًا، فَالْخَابِزَاتُ خَبْزًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، إِنَّ الْأَرْضَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قريش نصفين ولكن قريش قَوْمٌ لَا يَعْدِلُونَ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ: «يَا ضِفْدَعُ بِنْتُ ضِفْدَعِينَ، نِقِّى كَمْ تَنِقِّينَ، لَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ. وَلَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ. رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ وَذَنَبُكِ فِي الطِّينِ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ: «الْفِيلُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلُ، لَهُ زَلُّومٌ طَوِيلٌ، إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ رَبِّنَا الْجَلِيلِ» وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْهَذَيَانِ السَّمِجِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الصِّدِّيقُ ﵁ لقومه لما قرؤوه عَلَيْهِ: «وَيْلَكُمْ أَيْنَ يَذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ، إِنَّ هَذَا كَلَامٌ لَمْ يخرج من إله» .
وَكَانَ هَذَا الْكَذَّابُ قَدْ كَتَبَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أُشركت فِي الْأَمْرِ مَعَكَ» . فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ» . فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقَاتَلَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، بَعْدَ أَنْ قاتل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ، الَّذِي كَانَ أَيْضًا قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَلَمَّا نَصَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَزَمُوهُمْ، وقُتل ذَلِكَ الْيَوْمَ عُكاشة بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ هذا، ذهبوا بعد
[ ٢١٤ ]
ذلك إلى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ بِالْيَمَامَةِ، وَلَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ فِي حَرْبِهِ
شِدَّةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ فِي حَرْبِهِ طَائِفَةٌ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ مِثْلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، وأُسيد بْنِ حُضَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَادِّعَاؤُهُ النُّبُوَّةَ وَاتِّبَاعُ بَنِي حَنِيفَةَ لَهُ بِالْيَمَامَةِ، وَقِتَالُ الصِّدِّيقِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَمْرٌ مُتَوَاتِرٌ مَشْهُورٌ، قَدْ عَلِمَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، كَتَوَاتُرِ أَمْثَالِهِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْخَاصَّةُ، بَلْ عِلْمُ النَّاسِ بِذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِمْ بِقِتَالِ الْجَمَلِ وصفِّين، فَقَدْ ذُكر عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْجَمَلَ وصفِّين، وَهَذَا الْإِنْكَارُ - وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا - فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَنْكَرَ قِتَالَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ ادّعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةَ مِنْ جَحْدِهِمْ لِهَذَا وَجَهْلِهِمْ بِهِ بِمَنْزِلَةِ إِنْكَارِهِمْ لِكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ دُفِنَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنْكَارِهِمْ لِمُوَالَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ نصَّ عَلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ زَيْنَبُ ورقيَّة وَأُمُّ كُلْثُومٍ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُنَّ لِخَدِيجَةَ مِنْ زَوْجِهَا الَّذِي كَانَ كَافِرًا قَبْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ غَصَبَ بِنْتَ عَلِيٍّ حَتَّى زَوَّجَهُ بِهَا، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَ غَصْبًا فِي الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ بَعَجُوا بَطْنَ فَاطِمَةَ حَتَّى أُسقطت، وَهَدَمُوا سَقْفَ بَيْتِهَا عَلَى مَنْ فِيهِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي يَعْلَمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ أَنَّهَا كَذِبٌ، فَهُمْ دَائِمًا يَعْمِدُونَ إِلَى الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ يُنْكِرُونَهَا، وَإِلَى الْأُمُورِ الْمَعْدُومَةِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا يُثْبِتُونَهَا. فَلَهُمْ أَوْفَرُ نَصِيبٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ (١)، فَهُمْ يَفْتَرُونَ الْكَذِبَ وَيُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ، وَهَذَا حَالُ الْمُرْتَدِّينَ.
وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ عَلِمَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِذَا كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ مَظْلُومُونَ قُتلوا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَانُوا مُنْكِرِينَ لقتال أولئك مُتَأَوِّلِينَ لَهُمْ، كَانَ هَذَا مِمَّا يُحَقِّقُ أَنَّ هؤلاء الخلف تبع لهؤلاء السَّلَفِ، وَأَنَّ الصِّدِّيقَ وَأَتْبَاعَهُ يُقَاتِلُونَ الْمُرْتَدِّينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُمْ سَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ مُرْتَدِّينَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بكر» .
_________________
(١) الآية ٦٨ من سورة العنكبوت.
[ ٢١٥ ]
فَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ وأبْيَنه؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَاتَلَ بَنِي حَنِيفَةَ لِكَوْنِهِمْ آمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ الكذَّاب، واعتقدوا نبوّته. وأما مانعوا الزَّكَاةِ فَكَانُوا قَوْمًا آخَرِينَ غَيْرَ بَنِي حَنِيفَةَ. وَهَؤُلَاءِ كَانَ قَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ شُبْهَةٌ فِي جَوَازِ قِتَالِهِمْ. وَأَمَّا بَنُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يتوقف أحد في وجوب قتالهم. وأما مانعوا الزَّكَاةِ فَإِنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمرت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ يَقُلْ: «إِلَّا بِحَقِّهَا» فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا. وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقا أَوْ عُقالا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لقاتلهم عليه» (١) .
وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوهَا إِلَى الصِّدِّيقِ؛ فَإِنَّهُمْ لَوْ أَعْطَوْهَا بِأَنْفُسِهِمْ لِمُسْتَحِقِّيهَا وَلَمْ يُؤَدُّوهَا إِلَيْهِ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ. هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالُوا: إِذَا قَالُوا: نَحْنُ نُؤَدِّيهَا بِأَنْفُسِنَا وَلَا نَدْفَعُهَا إِلَى الْإِمَامِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَالُهُمْ. فَإِنَّ الصِّدِّيقَ - ﵁ - لَمْ يُقَاتِلْ أَحَدًا عَلَى طَاعَتِهِ، وَلَا أَلْزَمَ أَحَدًا بِمُبَايَعَتِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ سَعْدٌ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ: «سَمَّوْا بَنِي حَنِيفَةَ أَهْلَ الرِّدَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الزَّكَاةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا إِمَامَتَهُ» مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إِنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ قتال بني حنيفة» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَمْ يُسَمُّوا مَنِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَمُحَارَبَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مُرْتَدًّا، مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي وَسِلْمُكَ سِلْمِي وَمُحَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ» .
فَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ: أَوَّلًا: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ عَنْهُ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، فَمَنِ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ عُلَمَاءِ الحديث الْمَعْرُوفَةِ، وَلَا رُوي بِإِسْنَادِ مَعْرُوفٍ. وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ سَمِعُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كلٌّ مِنْهُمْ كُلَّ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ - ﷺ -، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُعلم أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَهُ، ولا روي بإسناد
معروف؟
_________________
(١) البخاري ج ٩ ص٩٣ ومسلم ج١ ص٥١.
[ ٢١٦ ]
بَلْ كَيْفَ إِذَا عُلم أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِاتِّفَاقِ أهل العلم بالحديث؟.
وعلي ّ - ﵁ - لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُ يَوْمَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ بِأَمْرٍ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنَّمَا كَانَ رَأْيًا رَآهُ.
وَقَالَ أَبُو داوُد فِي سُنَنِهِ: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ - ﵁ -: أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا: أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَمْ رَأْيٌ رأيتَه؟ قَالَ: مَا عَهِدَ إليَّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ رَأْيٌ رَأْيَتُهُ» (١) .
وَلَوْ كَانَ مُحَارِبُ عَلِيٍّ مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُرْتَدًّا، لَكَانَ عَلِيٌّ يَسِيرُ فِيهِمُ السِّيرَةَ فِي الْمُرْتَدِّينَ. وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ لَمَّا قَاتَلَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْ مُدْبِرَهُمْ، وَلَمْ يُجهّز عَلَى جَرِيحِهِمْ، ولم يغنم لهم مالًا، ولا سبى لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ يُنَادِي فِي عَسْكَرِهِ: أَنْ لَا يُتّبع لَهُمْ مُدبر وَلَا يُجهز عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا تُغنم أَمْوَالُهُمْ. وَلَوْ كَانُوا عِنْدَهُ مُرْتَدِّينَ لَأَجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَاتَّبَعَ مُدْبِرَهُمْ. وكانت عَائِشَةُ فِيهِمْ، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ أُمُّنَا كَفَرْتُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ أُمُّنَا واستحللتم وطأها كفرتم بكتاب الله.
وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ مُرْتَدِّينَ، وَقَدْ نَزَلَ الْحَسَنُ عن أمر المسلمين، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَافِرٍ مُرْتَدٍّ، كَانَ الْمَعْصُومُ عِنْدَهُمْ قَدْ سَلَّمَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُرْتَدِّينَ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضْلًا عَنِ الْمَعْصُومِينَ.
وأيضا فإن كان أولئك مرتدّون، وَالْمُؤْمِنُونَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ، لَكَانَ الْكُفَّارُ الْمُرْتَدُّونَ مُنْتَصِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دَائِمًا.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يُقُومُ الأَشْهَاد﴾ (٢)، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣)، فَقَدْ جَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ إِخْوَةً مَعَ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرقة مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أوْلى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» . وَقَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بين
_________________
(١) انظر السنن ج٤ ص٣٠٠.
(٢) الآية ٥١ من سورة غافر.
(٣) الآية ٩ من سورة الحجرات.
[ ٢١٧ ]
فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» . وَقَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» لَمْ يَقُلِ: الْكَافِرَةُ (١) .
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ بِأَسَانِيدَ مُتَنَوِّعَةٍ، لَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِهَا. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ مُسْلِمَتَانِ، وَمَدَحَ مَنْ أَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بينهما. وقد أَخْبَرَ أَنَّهُ تَمْرُقُ مَارِقَةٌ وَأَنَّهُ تَقْتُلُهَا أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ.
ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ: لَوْ قَالَتْ لَكُمُ النَّوَاصِبُ: عَلِيٌّ قَدِ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى رِيَاسَتِهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٢) . وقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كفَّارا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٣) فَيَكُونُ عَلِيٌّ كَافِرًا لِذَلِكَ - لَمْ تَكُنْ حُجَّتُكُمْ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا صَحِيحَةٌ.
وَأَيْضًا فَيَقُولُونَ: قَتْلُ النُّفُوسِ فَسَادٌ، فَمَنْ قَتَلَ النُّفُوسَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُرِيدًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. وَهَذَا حَالُ فِرْعَوْنَ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
﴿تِلْكَ الدارُ الآخرةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ (٤)؛ فَمَنْ أَرَادَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَلَيْسَ هَذَا كَقِتَالِ الصِّدِّيقِ لِلْمُرْتَدِّينَ وَلِمَانِعِي الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الصِّدِّيقَ إِنَّمَا قَاتَلَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا عَلَى طَاعَتِهِ. فَإِنَّ الزَّكَاةَ فرضٌ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهَا، وَعَلَى أَدَائِهَا، بِخِلَافِ من قاتل ليُطاع هو.
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي قَوْلِهِ: شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَتِهِ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ مَعْصِيَتِهِ. وَلَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَعْبَدَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ
سَنَةٍ، وَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ فَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ وَالطَّرْدَ، وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَزَلْ فِي الْإِشْرَاكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى أَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ظُهُورِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ اسْتَكْبَرَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ في
_________________
(١) سبقت هذه الأحاديث.
(٢) انظر البخاري ج١ ص٥١ ومسلم ج١ ص ٨١.
(٣) البخاري ج١ ص٣١ ومسلم ج١ ص ٨١- ٨٢.
(٤) الآية ٨٣ من سورة القصص.
[ ٢١٨ ]
نصب امير المؤمنين عليه اماما، وبايعه الْكُلُّ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ وَجَلَسَ مَكَانَهُ، فَكَانَ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ» .
فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْخُرُوجِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكُلِّ دِينٍ بَلْ وَعَنِ الْعَقْلِ الَّذِي يَكُونُ لكثير من الكفار، ما لا يخفي على مَنْ تَدَبَّرَهُ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ إِبْلِيسَ أَكْفَرُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ فَمِنْ أَتْبَاعِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ (١) . وهو الآمر لهم بكل قبيح المزيّن لهم فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُ؟ لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ؟
وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ: «شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ» يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ إِبْلِيسَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ، وَجَرَى مَعَهُ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ. وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (٢) .
ثُمَّ هَلْ يَقُولُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: إِنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا من المسلمين يكون شرا من إبليس؟ أوليس هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؟ وَقَائِلُ هَذَا كَافِرٌ كُفْرًا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ. وَعَلَى هَذَا فَالشِّيعَةُ دَائِمًا يُذْنِبُونَ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمْ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ. ثُمَّ إِذَا قَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّ عَلِيًّا أَذْنَبَ فَيَكُونُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ -لَمْ يَكُنْ لِلرَّوَافِضِ حُجَّةٌ إِلَّا دَعْوَى عِصْمَتِهِ. وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى الْخَوَارِجِ بِإِيمَانِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، فَكَيْفَ
يُقِيمُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِعِصْمَتِهِ؟ وَلَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ تَقْدِرُ أَنْ تُقِيمَ الْحُجَّةَ بِإِيمَانِهِ وَإِمَامَتِهِ، لِأَنَّ مَا تَحْتَجُّ بِهِ الرَّافِضَةُ مَنْقُوضٌ وَمُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، فَيَبْطُلُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
ثُمَّ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣)، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ آدَمُ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَوَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ يَفُوقُ الْحَصْرَ وَالتَّعْدَادَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ بِلَا حُجَّةٍ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ. فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ شَرًّا من
_________________
(١) الاية ٨٥ من سورة ص.
(٢) رواه الترمذي ج٤ ص ٧٠ وابن ماجه ج٢ ص١٤٢٠ وغيريهما.
(٣) الآية ١٢١ من سورة طه.
[ ٢١٩ ]
إِبْلِيسَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ فِي سَالِفِ طَاعَةٍ وجرى معه مَيْدَانِ مَعْصِيَةٍ؟ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجْرِي مَعَ إِبْلِيسَ فِي مَيْدَانِ مَعْصِيَتِهِ كُلِّهَا، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآدَمِيِّينَ مَنْ يُسَاوِي إِبْلِيسَ فِي مَعْصِيَتِهِ، بِحَيْثُ يُضِلُّ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَيُغْوِيهِمْ.
وَأَمَّا طَاعَةُ إِبْلِيسَ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ حَابِطَةٌ بكفره بعد ذلك، فإن الردة تُحْبِطُ الْعَمَلَ، فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَاعَتِهِ: إِنْ كَانَ طَاعَةً فَهِيَ حَابِطَةٌ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ، وَمَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْمَعَاصِي لَا يُمَاثِلُهُ أَحَدٌ فِيهِ،فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ شَرًّا مِنْهُ، وَصَارَ نَظِيرُ هَذَا الْمُرْتَدَّ الَّذِي يَقْتُلُ النُّفُوسَ وَيَزْنِي وَيَفْعَلُ عَامَّةَ الْقَبَائِحِ بَعْدَ سَابِقِ طَاعَاتِهِ، فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى تِلْكَ الطَّاعَاتِ الْحَابِطَةِ، وَشَارَكَهُ فِي قَلِيلٍ مِنْ مَعَاصِيهِ، لَا يكون شرا منه، فكيف يكون أحدا شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ؟؟
وَهَذَا يَنْقُضُ أُصُولَ الشِّيعَةِ: حَقَّهَا وَبَاطِلَهَا، وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ، وَكَانُوا أَحْيَانًا يَعْصُونَهُ، شَرًّا مِنَ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ عَبَدُوا اللَّهَ قَبْلَهُمْ، وَأُولَئِكَ جَرَوْا مَعَهُمْ فِي مَيْدَانِ الْمَعْصِيَةِ.
وَيُقَالُ ثَالِثًا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَعْبَدَ الْمَلَائِكَةِ؟ وَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحْدَهُ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ؟ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فِي الْجُمْلَةِ؟ أَوْ أَنَّهُ
كَانَ طَاوُوسَ الْمَلَائِكَةِ؟ أَوْ أَنَّهُ مَا تَرَكَ فِي السَّمَاءِ رُقْعَةً وَلَا فِي الْأَرْضِ بُقْعَةً إِلَّا وَلَهُ فِيهَا سَجْدَةٌ وَرَكْعَةٌ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ؟ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالنَّقْلِ الصَّادِقِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا فِي ذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَهَلْ يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَّا من هو من أعظم الجاهلين؟!!
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَلَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ أَعْبَدَ الْمَلَائِكَةِ» .
فَيُقَالُ: مَنِ الَّذِي قَالَ هَذَا مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؟ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ عَالِمٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ، وَلَمْ يَنْقِلْ هَذَا أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. فَإِنْ كَانَ قَالَهُ بَعْضُ الْوُعَّاظِ أَوِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الرَّقَائِقِ، أَوْ بَعْضُ مَنْ يَنْقُلُ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ مالا إِسْنَادَ لَهُ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي جُرْزَةِ بَقْلٍ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ فِي جَعْلِ إِبْلِيسَ خَيْرًا مِنْ كُلِّ مَنْ عَصَى اللَّهَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَيَجْعَلُ الصَّحَابَةَ مِنْ هؤلاء الذين
[ ٢٢٠ ]
إِبْلِيسُ خَيْرٌ مِنْهُمْ؟
وَمَا وَصَفَ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ - ﷺ - إِبْلِيسَ بِخَيْرٍ قَطُّ وَلَا بِعِبَادَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عِبَادَةٌ لَكَانَتْ قَدْ حَبِطَتْ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا شَكَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ العرش وحده ستة آلاف سنة» فياسبحان اللَّهِ! هَلْ قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ؟ وَهَلْ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ إِلَّا مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ؟ فَإِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ - لَوْ كَانَ حَقًّا- إِلَّا بِنَقْلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ذلك شيء.
ويقال: قَدْ ثَبَتَ إِسْلَامُ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -، وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُدَّعِيًا دَعْوَى بِلَا دليل لولم يُعلم كَذِبُ دَعْوَاهُ، فَكَيْفَ إِذَا عُلم كَذِبُ دَعْوَاهُ، وَأَنَّهُ مَا زَالَ عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ مَاتَ، كَمَا عُلِمَ بَقَاءُ غَيْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ فَالطَّرِيقُ الَّذِي يُعلم بِهِ بَقَاءُ إِسْلَامِ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، يُعلم بِهِ بَقَاءُ إِسْلَامِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -. وَالْمُدَّعِي لِارْتِدَادِ مُعَاوِيَةَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃، لَيْسَ هُوَ أَظْهَرَ حُجَّةً مِنَ المدّعي لارتداد
عليّ. فإن المدَّعي كان لِارْتِدَادِ عَلِيٍّ كَاذِبًا، فالمدَّعي لِارْتِدَادِ هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ كَذِبًا، لِأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى بَقَاءِ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ، وَشُبْهَةُ الْخَوَارِجِ أَظْهَرُ مِنْ شُبْهَةِ الرَّوَافِضِ.
ويقال: هَذِهِ الدَّعْوَى إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَفِيهَا مِنَ القدح والغضاضة بعليّ والحسن وغيرهما ما لا يَخْفَى. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَغْلُوبًا مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ سلَّم أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُرْتَدِّينَ، فَيَكُونُ نَصْرُ اللَّهِ لِخَالِدٍ عَلَى الْكُفَّارِ أَعْظَمَ مِنْ نَصْرِهِ لِعَلِيٍّ. وَاللَّهُ ﷾ عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مَا استحقه خالدا أَعْظَمَ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ عَلِيٌّ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ عِنْدَ الله منه.
ويقال: قَوْلُهُ: «وَبَايَعَهُ الْكُلُّ بَعْدَ عُثْمَانَ» .
إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حُجَّةً فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فَمُبَايَعَتُهُمْ لِعُثْمَانَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهَا أَعْظَمَ. وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ الْمُمْتَنِعَ عَنْ طَاعَةِ عثمان كافرًا، بل مؤمنًا تقيًّا.
ويقال: اجْتِمَاعُ النَّاسِ عَلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ عَلَى قَوْلِكُمْ أَكْمَلَ، وَأَنْتُمْ وَغَيْرُكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيًّا تَخَلَّفَ عَنْهَا مُدَّةً. فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ في
[ ٢٢١ ]
نَصْبِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ إِمَامًا، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ كُفْرُ عَلِيٍّ بِمُقْتَضَى حُجَّتِكُمْ، أَوْ بُطْلَانُهَا فِي نَفْسِهَا. وَكُفْرُ عَلِيٍّ بَاطِلٌ، فَلَزِمَ بُطْلَانُهَا.
وَيُقَالُ: قَوْلُكُمْ: «بَايَعَهُ الْكُلُّ بَعْدَ عُثْمَانَ» .
مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِمَّا النِّصْفُ، وإما أقل أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يُبَايِعُوهُ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَا ابْنُ عُمَرَ وَلَا غيرهما.
ويقال: قَوْلُكُمْ: «إِنَّهُ جَلَسَ مَكَانَهُ» .
كَذِبٌ؛ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ ابْتِدَاءً، وَلَا ذَهَبَ إِلَى عَلِيٍّ لِيَنْزِعَهُ عَنْ إِمَارَتِهِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ مُبَايَعَتِهِ، وَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالِيًا عَلَى مَنْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ. وَلَمَّا جَرَى حُكْمُ الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا كَانَ مُتَوَلِّيًا عَلَى رَعِيَّتِهِ فَقَطْ. فَإِنْ أُرِيدَ بِجُلُوسِهِ فِي مَكَانِهِ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أُنَازِعْهُ شَيْئًا هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي مَا يُوجِبُ عَلَيَّ دُخُولِي فِي طَاعَتِهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا لَا يُوجِبُ كَوْنَ صَاحِبِهِ شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ، وَمَنْ جَعَلَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَرًّا مِنْ إِبْلِيسَ، فَمَا أَبْقَى غَايَةً فِي الِافْتِرَاءِ
عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْعُدْوَانِ عَلَى خَيْرِ الْقُرُونِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَالْهَوَى إِذَا بَلَغَ بِصَاحِبِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ أَخْرَجَ صَاحِبَهُ عَنْ رِبْقَةِ الْعَقْلِ، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يذل أصحاب مثل هذا الْكَلَامِ، وَيَنْتَصِرَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ - مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ وغيرهم - من هؤلاء المفترين الظالمين.