قَالَ الرَّافِضِيُّ: «فَلْيَنْظُرِ الْعَاقِلُ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ: الَّذِي نزَّه اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَأَئِمَّتَهُ؛ ونزَّه الشَّرْعَ عَنِ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ، وَمَنْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ، وَيَذْكُرُ أَئِمَّةَ غَيْرِهِمْ، أَمِ الَّذِي فَعَلَ ضِدَّ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَ خِلَافَهُ؟» .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيض لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ. بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ يَتَضَمَّنُ وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَلْبِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يُشَابِهُ فِيهَا الْجَمَادَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حَيَاةٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَشِيئَةٌ، وَلَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ، وَلَا رِضًا وَلَا سَخَطٌ، وَلَا يُرى وَلَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ فِعْلًا، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ، كَانُوا قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْجَمَادَاتِ الْمَنْقُوصَاتِ، وَسَلَبُوهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَكَانَ هَذَا تَنْقِيصًا وَتَعْطِيلًا لَا تَنْزِيهًا، وَإِنَّمَا التنزيه أن ينزَّه عَنِ النَّقَائِصِ الْمُنَافِيَةِ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فينزَّه عَنِ الْمَوْتِ والسِّنة وَالنَّوْمِ، وَالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَالْحَاجَةِ، كَمَا نزَّه نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فيُجمع لَهُ بَيْنَ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَفْيِ النَّقَائِصِ الْمُنَافِيَةِ لِلْكَمَالِ، وَيُنَزَّهَ عَنْ مُمَاثَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيُنَزَّهَ عَنِ النَّقَائِصِ مُطْلَقًا، وَيُنَزَّهَ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مثلٌ مِنَ الْأَمْثَالِ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُوهُمْ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَمَالِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ، بِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالِانْتِقَالِ مِنْ كَمَالٍ إِلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَكَذَّبْتُمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وحرَّفتم الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَظَنَنْتُمْ أَنَّ انْتِقَالَ الْآدَمِيِّ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الضَّلَالِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْغَيِّ إِلَى الرَّشَادِ، تَنَقُّصًا، وَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ وَأَعْظَمِ قُدْرَتِهِ، حَيْثُ يَنْقُلُ الْعِبَادَ مِنَ النَّقْصِ إِلَى الْكَمَالِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الَّذِي يَذُوقُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ وَيَعْرِفُهُمَا، يَكُونُ حُبُّهُ لِلْخَيْرِ وَبُغْضُهُ لِلشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْخَيْرَ. كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ
[ ٢٣٠ ]
الْخَطَّابِ - ﵁ -: «إِنَّمَا تُنقض عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ» .
وَأَمَّا تَنْزِيهُ الْأَئِمَّةِ فَمِنَ الْفَضَائِحِ الَّتِي يُستحيا مِنْ ذَكْرِهَا، لَا سِيَّمَا الْإِمَامِ الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُنتفع بِهِ لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا.
وَأَمَّا تَنْزِيهُ الشَّرْعِ عَنِ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أهل السنّة لم يتفقوا عَلَى مَسْأَلَةٍ رَدِيَّةٍ، بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ؛ فَإِنَّ لَهُمْ مِنَ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ مَا لَا يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَمَنْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ، وَيَذْكُرُ أَئِمَّةَ غَيْرِهِمْ» .
فَإِمَّا أَنْ يكون المراد بذلك أن تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ ضَلَالِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؛ فَإِنَّا نَحْنُ وَهُمْ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَأْمُرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ: لَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَا نَقَلَ هَذَا أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا كَانَ يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدًا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِمَامًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَكَانَتْ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةً فِي عَهْدِهِ بِالضَّرُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَمَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ عليهم، فقد غيَّر دين النبي محمد - ﷺ - وبدَّله، كَمَا بدَّلت الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى دِينَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ مِنْهُمْ.
قِيلَ: آلُ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ فِيهِمْ بَنُو هَاشِمٍ وَأَزْوَاجُهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ تَذُمُّهُمُ الْإِمَامِيَّةُ؛ فَإِنَّهُمْ يَذُمُّونَ وَلَدَ العباس، لاسيما خُلَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَيَذُمُّونَ مَنْ يَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَجُمْهُورُ بَنِي هَاشِمٍ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ صَحِيحُ النَّسَبِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ بَنِي هَاشِمٍ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.
[ ٢٣١ ]
وَمِنَ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ يدَّعون تَعْظِيمَ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَهُمْ سَعَوْا فِي مَجِيءِ التَّتَرِ الْكُفَّارِ إِلَى بَغْدَادَ دَارِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى قَتَلَتِ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَنِي
هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَتَلُوا بِجِهَاتِ بَغْدَادَ ألف ألف وثمانمئة أَلْفٍ وَنَيِّفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا وَقَتَلُوا الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيَّ، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين.
فَهَذَا هُوَ الْبُغْضُ لِآلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِلَا رَيْبٍ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فعل الكفار بمعاونة الرافضة، وهم الذي سَعَوْا فِي سَبْيِ الْهَاشِمِيَّاتِ وَنَحْوِهِمْ إِلَى يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ، فَمَا يَعِيبُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِعَيْبٍ إِلَّا وهو فيهم أعظم.