قَالَ الرَّافِضِيُّ: «الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لَهُمْ وَلِأَئِمَّتِهِمْ، قَاطِعُونَ بِذَلِكَ، وَبِحُصُولِ ضِدِّهَا لِغَيْرِهِمْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُجِيزُونَ وَلَا يَجْزِمُونَ بِذَلِكَ لَا لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ. فَيَكُونُ اتِّبَاعُ أُولَئِكَ أوْلى، لأنَّا لَوْ فَرَضْنَا مَثَلًا خُرُوجَ شَخْصَيْنِ مِنْ بَغْدَادَ يُرِيدَانِ الْكُوفَةَ، فَوَجَدَا طَرِيقَيْنِ سَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا طَرِيقًا، فَخَرَجَ ثَالِثٌ يَطْلُبُ الْكُوفَةَ: فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَقَالَ إِلَى الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ طريقك تُوصِّلُكَ إِلَيْهَا؟ وَهَلْ طَرِيقُكَ آمِنٌ أَمْ مُخَوِّفٌ؟ وَهَلْ طَرِيقُ صَاحِبِكَ تُؤَدِّيهِ إِلَى الْكُوفَةِ؟ وَهَلْ هُوَ آمِنٌ أَمْ مَخُوفٌ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شيئا من ذلك. ثم سأل صاحبه فَقَالَ أَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقِي يوصِّلني إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُ آمِنٌ، وَأَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ صَاحِبِي لَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِآمِنٍ، فَإِنَّ الثَّالِثَ إِنْ تَابَعَ الْأَوَّلَ عدَّه الْعُقَلَاءُ سَفِيهًا، وَإِنْ تَابَعَ الثَّانِيَ نُسب إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَزْمِ» .
هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقال: وَسَأَلَ الثَّانِيَ فَقَالَ لَهُ الثَّانِي: لَا أَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقِي تُؤَدِّينِي إِلَى الْكُوفَةِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ آمِنٌ أَمْ مَخُوفٌ.
[ ١٢٥ ]
وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقال: إِنْ كَانَ اتِّبَاعُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تُدَّعى لهم الطاعة المطلقة، وأن ذلك يُوجِبُ لَهُمْ النَّجَاةَ وَاجِبًا، كَانَ اتِّبَاعُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ كَانُوا يُوجِبُونَ طَاعَةَ أَئِمَّتِهِمْ طاعة مطلقة وَيَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ النَّجَاةَ مُصِيبِينَ عَلَى الْحَقِّ، وَكَانُوا فِي سبِّهم عَلِيًّا وَغَيْرَهُ وَقِتَالِهِمْ لِمَنْ قَاتَلُوهُ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ مُصِيبِينَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ طَاعَةَ الْأَئِمَّةِ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِذَنْبٍ، وَأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُمْ فِيمَا أَطَاعُوا فِيهِ الْإِمَامَ، بَلْ أُولَئِكَ أوْلى بِالْحُجَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُطِيعِينَ أَئِمَّةً أَقَامَهُمُ اللَّهُ ونصيهم
وأيّدهم وملّكهم، فإذا كان مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِعِبَادِهِ، كَانَ تَوْلِيَةُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ مَصْلَحَةً لِعِبَادِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللُّطْفَ وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي حَصَلَتْ بِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِإِمَامٍ مَعْدُومٍ أَوْ عَاجِزٍ. وَلِهَذَا حَصَلَ لِأَتْبَاعِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَعْظَمُ مِمَّا حَصَلَ لِأَتْبَاعِ الْمُنْتَظَرِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِمَامٌ يَأْمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرِ، وَلَا يُعِينُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَلَا دُنْيَاهُمْ، بِخِلَافِ أُولَئِكَ؛ فَإِنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِأَئِمَّتِهِمْ مَنَافِعَ كَثِيرَةً فِي دِينِهِمْ ودنياهم، أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ حُجَّةُ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إلى مشايعة علي ّ - ﵁ - صَحِيحَةً، فَحُجَّةُ أُولَئِكَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُشَايَعَةِ عُثْمَانَ - ﵁ - أوْلى بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فَهَذِهِ أَبْطَلُ مِنْهَا. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةُ مُتَّفِقِينَ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ جَزْمَ أُولَئِكَ بِنَجَاتِهِمْ إِذَا أَطَاعُوا أُولَئِكَ الْأَئِمَّةَ طَاعَةً مُطْلَقَةً خَطَأٌ وَضَلَالٌ، فَخَطَأُ هَؤُلَاءِ وَضَلَالُهُمْ إِذَا جَزَمُوا بِنَجَاتِهِمْ لِطَاعَتِهِمْ لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ نَائِبُ الْمَعْصُومِ - وَالْمَعْصُومُ لَا عَيْنَ لَهُ وَلَا أَثَرَ - أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ؛ فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَيْسَ لَهُمْ أَئِمَّةٌ يُبَاشِرُونَهُمْ بِالْخِطَابِ، إِلَّا شُيُوخَهُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا المثل إنما كَانَ يَكُونُ مُطَابِقًا لَوْ ثَبَتَ مُقَدِّمَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ لَنَا إِمَامًا مَعْصُومًا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أَمَرَ بكذا وكذا. وكلتا الْمُقْدِمَتَيْنِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، بَلْ بَاطِلَةٌ. دَعِ
[ ١٢٦ ]
الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى، بَلِ الثَّانِيَةَ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يُدَّعَى فِيهِمُ الْعِصْمَةُ قَدْ مَاتُوا مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَالْمُنْتَظَرُ لَهُ غَائِبٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَعِنْدَ آخَرِينَ هُوَ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ. وَالَّذِينَ يُطاعون شُيُوخٌ مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ، أَوْ كُتُبٌ صَنَّفَهَا بَعْضُ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ مَا فِيهَا مَنْقُولٌ عَنْ أُولَئِكَ الْمَعْصُومِينَ. وَهَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ المصنِّفون لَيْسُوا مَعْصُومِينَ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا مَقْطُوعًا لَهُمْ بِالنَّجَاةِ.
فَإِذًا الرَّافِضَةُ لَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا أَئِمَّةً لَا يَقْطَعُونَ بِنَجَاتِهِمْ وَلَا سَعَادَتِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا قَاطِعِينَ لَا بِنَجَاتِهِمْ، وَلَا بِنَجَاةِ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يُبَاشِرُونَهُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي انْتِسَابِهِمْ إِلَى أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ، بِمَنْزِلَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ شُيُوخِهِمُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى شَيْخٍ قَدْ مَاتَ مِنْ مُدَّةٍ، وَلَا يدرون بماذا
أمر، ولا عماذا نَهَى، بَلْ لَهُ أَتْبَاعٌ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يَأْمُرُونَهُمْ بِالْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ الشَّيْخِ وَفِي خُلَفَائِهِ، وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَرْبَابًا، وكما تأمر شيوخ الشيعة أَتْبَاعَهُمْ، وَكَمَا تَأْمُرُ شُيُوخُ النَّصَارَى أَتْبَاعَهُمْ، فَهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَخْرُجُونَ عَنْ حَقِيقَةِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، فإن التَّوْحِيدِ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدعى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُخشى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ الدِّينُ إِلَّا لَهُ، لَا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَأَنْ لَا نَتَّخِذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ!؟
والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هُوَ المبلِّغ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَلَا يُطاع مَخْلُوقٌ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِلَّا هُوَ، فَإِذَا جُعل الغمام وَالشَّيْخُ كَأَنَّهُ إِلَهٌ يُدعى مَعَ مَغِيبَةٍ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، ويُستغاث بِهِ، ويُطلب مِنْهُ الْحَوَائِجُ، وَالطَّاعَةُ إِنَّمَا هِيَ لِشَخْصٍ حَاضِرٍ يَأْمُرُ بِمَا يُرِيدُ، وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيدُ كَانَ الْمَيِّتُ مشبَّها بِاللَّهِ تعالى، والحي مشبهًا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فَيَخْرُجُونَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَصْلُهُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَشَهَادَةُ أَنَّ محمدًا رسول الله.
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَعَلَّقُونَ بِحِكَايَاتٍ تُنقل عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا خَطَأٌ مِنْهُ، فيَعدِلون عَنِ النَّقْلِ الصِّدْقِ عَنِ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ إِلَى نَقْلٍ غَيْرِ مصدَّق عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مُخْطِئِينَ فِي هَذَا، فَالشِّيعَةُ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ خَطَأً، لِأَنَّهُمْ أَعْظَمُ كَذِبًا فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ، وأعظم غلوا في دعوى عصمة الأئمة.
[ ١٢٧ ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَنْعُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْمِثَالِ الَّذِي ضَرَبَهُ وَجَعَلَهُ أَصْلًا قَاسَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لَهُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: طَرِيقِي آمِنٌ يُوَصِّلُنِي، وَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: لَا عِلْمَ لِي بِأَنَّ طَرِيقِي آمِنٌ يُوَصِّلُنِي، أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ، لَمْ يَحْسُنْ فِي الْعَقْلِ تَصْدِيقُ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ يَجُوزُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُحْتَالًا عَلَيْهِ، يَكْذِبُ حَتَّى يَصْحَبَهُ فِي الطَّرِيقِ فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ مَا فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْخَوْفِ، وَأَمَّا ذَاكَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَضْمَنْ لِلسَّائِلِ شَيْئًا، بَلْ رَدَّهُ إِلَى نَظَرِهِ، فَالْحَزْمُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ أَوْلَى بِالسُّلُوكِ: أَحَدُ ذَيْنِكَ الطَّرِيقَيْنِ أو غيرهما.
فتبين أن مجرد الإقدام على الحزم لَا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ صَاحِبِهِ وَلَا عَلَى صِدْقِهِ، وَأَنَّ التَّوَقُّفَ وَالْإِمْسَاكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الدَّلِيلُ هُوَ عَادَةُ الْعُقَلَاءِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: «إِنَّهُمْ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لَهُمْ دُونَ أهل السنة» كَذِبٌ، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ كُلَّ واحد ممن اعْتَقَدَ اعْتِقَادَهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ تَرَك الْوَاجِبَاتِ وفَعَل الْمُحَرَّمَاتِ، فَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْإِمَامِيَّةِ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
وَإِنْ كَانَ حُبُّ عَلِيٍّ حَسَنَةٌ لَا يَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، فَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُ الصَّلَوَاتِ، وَلَا الْفُجُورُ بِالْعَلَوِيَّاتِ، وَلَا نَيْلُ أَغْرَاضِهِ بِسَفْكِ دِمَاءِ بَنِي هَاشِمٍ إِذَا كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا.
فَإِنْ قَالُوا: الْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ، عَادَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ الِاعْتِقَادَ الصَّحِيحَ، وَأَدَّى الْوَاجِبَاتِ، وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ - فَهَذَا اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ.
وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ العلم بدخوله في المتيقن، فَإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّقْوَى عُلم أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا يَشْهَدُونَ بالجنة لمن شهد له الرسول صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَهُمْ فِيمَنِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِمَامِيَّةِ جَزْمٌ مَحْمُودٌ اختُصوا بِهِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَإِنْ قَالُوا: إِنَّا نَجْزِمُ لِكُلِّ شَخْصٍ رَأَيْنَاهُ مُلْتَزِمًا لِلْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا تَارِكًا للمحرمات،
[ ١٢٨ ]
بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَنَا بِبَاطِنِهِ مَعْصُومٌ. قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِيَّةِ، بَلْ إِنْ كَانَ إِلَى هَذَا طريق صحيح فهو لِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُمْ بِسُلُوكِهِ أَحَذَقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَا طَرِيقٌ صَحِيحٌ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ، فَلَا فَضِيلَةَ فِيهِ، بَلْ فِي عَدَمِهِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَدَّعُونَ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَحَقُّ بِهِ، وَمَا ادَّعُوهُ مِنَ الْجَهْلِ فَهُوَ نَقْصٌ وَأَهْلُ السنة أبعد عنه.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَجْزِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لِأَئِمَّتِهِمْ أَعْظَمَ مِنْ جَزْمِ الرَّافِضَةِ. وَذَلِكَ أن أئمتهم بعد النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمُ السَّابِقُونَ الأوَّلون مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهُمْ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ
لِهَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فقد غفرت لكم»، بل يقولون: إِنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (١) . فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ بِالنَّجَاةِ: إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا مُعَيَّنًا، شَهَادَةً مُسْتَنِدَةً إِلَى عِلْمٍ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا شَهِدُوا بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، أَوْ شَهِدُوا بِالزُّورِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرافضة.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي شُهِدَ لَهُ بِالنَّجَاةِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُطَاعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ نَازَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أو هو مطاع فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِيمَا يَقُولُهُ بِاجْتِهَادِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ غَيْرَهُ أوْلى مِنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَلَا إِمَامَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَاكِمُ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ: كُلُّ أَحَدٍ يُؤخذ مِنْ قَوْلِهِ ويُترك إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﵇. وَهُمْ يَشْهَدُونَ لِإِمَامِهِمْ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلَائِقِ، وَيَشْهَدُونَ ان كُلَّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ، فَفَعَلَ مَا أُمر بِهِ وَتَرَكَ مَا نُهى عَنْهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ.
_________________
(١) انظر البخاري ج٣ ص٤٦ ومسلم ج٢ ص ٨٢٢.
[ ١٢٩ ]
وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ بِهَذَا وَهَذَا هُمْ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الرَّافِضَةِ مِنْ شَهَادَتِهِمْ للعسكريِيْن وَأَمْثَالِهِمَا بِأَنَّهُ مَنْ أَطَاعَهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
فَثَبَتَ أَنَّ إِمَامَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَكْمَلُ، وَشَهَادَتَهُمْ لَهُ وَلَهُمْ إذا أطاعوه أَكْمَلُ، وَلَا سَوَاءَ.
وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ءآلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكون﴾ (١)، فعند المقابلة يُذكر الْخَيْرِ الْمَحْضِ عَلَى الشَّرِّ الْمَحْضِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرُّ الْمَحْضُ لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِالْإِمَامِ الْإِمَامَ المقيَّد، فَذَاكَ لَا يُوجب أَهْلُ السُّنَّةِ طَاعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَمَرَ بِهِ مُوَافِقًا لِأَمْرِ الْإِمَامِ الْمُطْلَقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ فِيهِ، فَإِنَّمَا هُمْ مُطِيعُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يَضُرُّهُمْ تَوَقُّفُهُمْ فِي الْإِمَامِ المقيَّد: هل هو في الجنة أم لا؟ .
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ السَّعَادَةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَطَاعَ رَسُولَهُ، وَتَوَعَّدَ بِالشَّقَاءِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَمَنَاطُ السَّعَادَةِ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ والشُّهَداءْ وَالصَّالِحينَ وَحَسَنَ أولَئِكَ رَفيقًا﴾ (٢) وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى يقول: ﴿فاتَّقوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) فَمَنِ اجْتَهَدَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
فَقَوْلُ الرَّافِضَةِ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ إِمَامِيًّا، كَقَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: ﴿َلنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، تِلْكَ أَمَانِّيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ِللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾ (٤) .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُنْتَظَرَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الرَّافِضِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ طَاعَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعلم لَهُ قَوْلٌ مَنْقُولٌ عَنْهُ، فإذًا من أطاع الرسول صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَذَا الْإِمَامِ، وَمَنْ آمَنَ بِهَذَا الْإِمَامِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا إِذَا أَطَاعَ الرَّسُولَ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، فطاعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هِيَ مَدَارُ السَّعَادَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهِيَ الْفَارِقَةُ بين أهل الجنة والنار، ومحمد صلى لله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ ﷾ قَدْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ جَازِمُونَ بِالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) الآية ٥٩ من سورة النمل.
(٢) الآية ٦٩ من سورة النساء.
(٣) الآية ٦٩ من سورة النساء.
(٤) الآيتان ١١١، ١١٢ من سورة البقرة.
[ ١٣٠ ]