قَالَ الرَّافِضِيُّ: «الْبُرْهَانُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢)، رَوَى الْفَقِيهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَغَازِلِيِّ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ فِتْيَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ انْقَضَّ كوكبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «من انقض هذا الكوكب فِي مَنْزِلِهِ، فَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ بَعْدِي» فَقَامَ فتية من بني هاشم،
_________________
(١) مسلم ج٣ ص ١٥٢٣ والبخاري ج٩ ص ٨٢ ومواضع أُخر.
(٢) الآيتان ١، ٢ من سورة النجم.
[ ٣٧١ ]
فَنَظَرُوا، فَإِذَا الْكَوْكَبُ قَدِ انْقَضَّ فِي مَنْزِلِ علي ّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَوَيْتَ فِي حُبِّ عَلِيٍّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:؟ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (١) .
والجواب مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُطَالَبَةُ بِصِحَّتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِلَا عِلْمٍ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) .
وَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاْلإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
فَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ سُلْطَانٌ، فَالْقُرْآنُ سُلْطَانٌ، وَالسُّنَّةُ سُلْطَانٌ، لَكِنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَ بِهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ الصَّادِقِ عَنِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ مُوجِبَهُ وَيَسْتَدِلَّ بِهِ. وَإِذَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ بَيَانُ صِحَّتِهِ، وَإِلَّا كَانَ قَائِلًا بِلَا عِلْمٍ، مُسْتَدِلًّا بلا علم.
فَكَيْفَ يَحْتَجُّ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، الَّتِي يَقْدَحُ فِيهَا فِي خِيَارِ الْقُرُونِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَسَادَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ المقرَّبين، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ الْمُحْتَجُّ به صدقه؟
وَهُوَ لَوْ قِيلَ لَهُ: أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذَا وقع؟ فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ ذَلِكَ، فَقَدْ كَذَبَ. فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ وُقُوعَهُ؟ ويُقال لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ صِدْقَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُعرف إِلَّا بِالْإِسْنَادِ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ؟ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ، وَلَوْ أَنَّكَ عَرَفْتَهُ لَعَرَفْتَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ ذَلِكَ. فَكَيْفَ يَسُوغُ لَكَ الِاحْتِجَاجُ بِمَا لَا تَعْلَمُ صِحَّتَهُ؟
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَهَذَا الْمَغَازِلِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، كَأَبِي نُعَيْمٍ وَأَمْثَالِهِ، وَلَا هُوَ أَيْضًا مِنْ جامعي العلوم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مَا غَالِبُهُ حَقٌّ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ، كَالثَّعْلَبِيِّ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ هَذَا لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ مِنْ صَنْعَتِهِ، فَعَمَدَ إِلَى مَا وَجَدَهُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ فَجَمَعَهَا، كَمَا فَعَلَ أَخْطَبُ خُوَارِزْمَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِي فِيمَا جَمَعَهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْمَوْضُوعَةِ، مَا لَا يَخْفَى أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى أقل علماء النقل والحديث.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذِبٌ أَنَّ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ نُزُولَ سُورَةِ النجم حين
_________________
(١) الآيتان ١، ٢ من سورة النجم.
(٢) الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
(٣) الآية ٣٣ من سورة الأعراف.
[ ٣٧٢ ]
انْقَضَّ الْكَوْكَبَ فِي مَنْزِلِ عَلِيٍّ، وَسُورَةُ النَّجْمِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَانَ مُرَاهِقًا لِلْبُلُوغِ لَمْ يَحْتَلِمْ بَعْدُ، هَكَذَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِمَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ وُلد بَعْدُ، وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ طِفْلًا لَا يُمَيِّزُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا هَاجَرَ كَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وُلِدَ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ، فَإِنَّهَا مِنْ أوائل ما نزل من القرآن.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمْ يَنْقَضَّ قَطُّ كَوْكَبٌ إِلَى الْأَرْضِ بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَا غَيْرِهِمَا. وَلَمَّا بُعث النَّبِيُّ - ﷺ - كَثُرَ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَنْزِلْ كَوْكَبٌ إِلَى الْأَرْضِ. وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي تُعرف فِي الْعَالَمِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي لَا يُعرف مِثْلُهَا فِي الْعَالَمِ، وَلَا يَرْوى مِثْلَ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ أَوْقَحِ النَّاسِ، وَأَجْرَئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَقَلِّهِمْ حَيَاءً وَدِينًا، وَلَا يَرُوج إِلَّا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَحْمَقِهِمْ، وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً وَعِلْمًا.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ نُزُولَ سُورَةِ النَّجْمِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَعَلِيٌّ إِذْ ذَاكَ كَانَ صَغِيرًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ احْتَلَمَ وَلَا تَزَوَّجَ بِفَاطِمَةَ، وَلَا شُرع بَعْدُ فَرَائِضُ الصَّلَاةِ أَرْبَعًا وَثَلَاثًا وَاثْنَيْنِ، وَلَا فَرَائِضُ الزَّكَاةِ، وَلَا حَجُّ الْبَيْتِ، وَلَا صَوْمُ رَمَضَانَ، وَلَا عَامَّةُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمْرُ الْوَصِيَّةِ بِالْإِمَامَةِ لَوْ كَانَ حَقًّا إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ كَمَا ادَّعَوْهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُم، فَكَيْفَ يَكُونُ قَدْ نَزَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَأَنَّ النَّجْمَ الْمُقْسَمَ بِهِ: إِمَّا نُجُومُ السَّمَاءِ، وَإِمَّا نُجُومُ الْقُرْآنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ كَوْكَبٌ نَزَلَ فِي دَارِ أَحَدٍ بِمَكَّةَ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «غويت» فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْكُفَّارُ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْمُرُهُمْ بِالْفُرُوعِ قَبْلَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا النَّجْمَ إِنْ كَانَ صَاعِقَةً، فَلَيْسَ نُزُولُ الصَّاعِقَةِ فِي بَيْتِ شَخْصٍ كَرَامَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ فَهَذِهِ لَا تُفَارِقُ الْفَلَكَ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الشُّهب فَهَذِهِ يُرمى بِهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَهِيَ لَا تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ. وَلَوْ قُدِّر أَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي رُمِيَ بِهَا وَصَلَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ حَتَّى احْتَرَقَ بِهَا، فَلَيْسَ هَذَا كَرَامَةً لَهُ، مَعَ أَنَّ هَذَا لم يقع قط.
[ ٣٧٣ ]