ومن هذا الشمول للعبادة نخلص إلى أن الله تعالى جعل العبادة أنواعا، وذلك بحسب جهتها، إن كانت ترجع للاعتقاد أو النطق أو البدن أو المال، وكلها ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى، وهي خمسة أنواع:
١- عبادات اعتقادية:
وهذه أساسها أن تعتقد أن الله هو الرب الواحد الأحد، الذي ينفرد بالخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا معبود بحق غيره.
والدلائل على ذلك من كتاب الله تعالى كثير تعز على الحصر، وقد سبق بعضها.
ومن ذلك أيضا: الاعتقاد والتصديق بما أخبر الله تعالى عنه من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقضاء والقدر، في آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . [البقرة: ١٧٧]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ . [النساء: ١٣٦]
[ ٢٩٢ ]
وذكر الله تعالى الإيمان بالقضاء والقدر في آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] .
٢- عبادات قلبية:
وهي الأعمال القلبية التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله تعالى وحده، فمنها:
المحبة، التي لا تصلح إلا لله تعالى وحده١، فيحب الله تعالى ويحب عباده الذين يحبونه سبحانه، ويحب دينه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
ومنها التوكل: وهو الاعتماد على الله تعالى والاستسلام له وتفويض الأمر إليه، مع الأخذ بالأسباب، قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
ومنها: الخشية والخوف من إصابة مكروه أو ضُرّ، فلا يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، وهو خوف السر٢، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ
_________________
(١) ١ وهي محبة العبودية، المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره سبحانه على غيره. انطر: "مدارج السالكين": ٣/ ٦ وما بعدها، ١/ ٩٩، ١٠٠، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٦٨. ٢ لا الخوف الطبيعي الغريزي، وهو لا يدخل في هذا الباب. انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص٤٨٤-٤٨٦.
[ ٢٩٣ ]
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] .
ومنها: الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن يدعو الأموات أو غيرهم راجيا حصول مطلوبه من جهتهم، يقع في شرك أكبر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] .
ومنها الإنابة والتوبة، فينبغي على المؤمن أن يقبل على الله وأن يتوب إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] .
وقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] .
٣- عبادات لفظية:
وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها، لم يحقن دمه ولا ماله. فقد قال رسول الله ﷺ:
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ١.
ومن نطق بكلمة التوحيد ولم يعتقدها بقلبه حقن ماله ودمه، وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين.
ومنها: الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، سواء كان طلبا للشفاعة أو غيرها من المطالب. قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصلاة: ١/ ٤٩٧.
[ ٢٩٤ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
ومنها: الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] .
إلخ.
٤- عبادات بدنية:
كالصلاة والركوع والسجود؛ قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] .
ومنها: الطواف بالبيت، حيث لا يجوز الطواف إلا به: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] .
وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والآيات في هذا كثيرة.
ومنها: الجهاد في سبيل الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] .
والآيات والأحاديث في ذلك توحي بأهمية هذه الفريضة ومكانتها١.
_________________
(١) ١ راجع في ذلك: "منهج الإسلام في الحرب والسلام" ص١١٥-١٣٢.
[ ٢٩٥ ]
٥- عبادات مالية:
كإخراج جزء من المال؛ امتثالا لما أمر الله تعالى به، وهي الزكاة.
ومما يدخل في العبادة المالية أيضا: النذر، قال الله تعالى:
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] .
هذا، ولم نستقص الأمثلة لكل ما يدخل تحت هذه الأنواع الخمسة، فحسبنا هذه الإشارات السريعة، التي تومئ إلى ما وراءها من أمثلة١.
فيا أيها المسلم: هذه هي سبيل النجاة، وطريق الفوز، فتمسك بها واحذر الشيطان ووسوسته، وحذارِ أن تستهين بأمر مما سبق فتحسبه هينا، وهو عند الله عظيم.
_________________
(١) ١ انظر: "فتح الباري" لابن حجر: ١/ ٥٢، ٥٣، "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" للصنعاني ص٢٥، ٢٦، "تيسير العزيز الحميد" ص٢٠-٢٤، وراجع تفصيلا شاملا لمراتب العبودية وتوزعها على جوارح الإنسان في "مدارج السالكين" لابن القيم -﵀- ١/ ١٠٠، ١٠١، ١٠٧-١٢٢.
[ ٢٩٦ ]